القانون ولبس الأقنعة

القانون ولبس الأقنعة

الثلاثاء ٢٧ / ٠٢ / ٢٠١٨
عندما يشترك المرء في إحدى الصالات الرياضية يقوم أحد منسوبيها بتعريف هذا المشترك على مرافقها وكيفية استخدامها، ومن ضمنها استخدام بركة السباحة التي يتم التنبيه بوجوب الاستحمام قبل استخدامها، ولا يتطلب الأمر أكثر من ذلك. فتجد السواد الأعظم من المشتركين الذين دفعوا رسوم الاشتراك ملتزمين بهذا التنبيه، ومرتادو برك السباحة يدركون ان اغلب المرتادين ملتزمون بهذا التصرف. فلو أتى شخص ولم يلتزم بهذه التنبيهات لاعتبر ذلك (مخالفة للذوق العام) أو العرف السائد في تلك المنشأة الرياضية. ولكن هل يمكن وصف من يلتزم بالاستحمام ممن (لديه ذوق)؟

في واقع الحال إن من لم يلتزم بالتعليمات لم يرتكب فعلا يستدعي العقوبة، كما أن من التزم بالتعليمات لم يلتزم بقانون منصوص، هو فقط التزم بالتنبيهات اللطيفة من إدارة المنشأة الرياضية وقت التسجيل وربما بمساعدة بعض اللوحات الإرشادية. تماما كما يحصل فيما يخص اللوحة التي تطلب منا عدم المشي على الزرع او خفض الصوت في المكتبة أو حتى الالتزام بزي معين في بعض المطاعم، كما يحصل في بعض الدول. الأغلبية التزمت حينما طلب منها ذلك بلطف، ولم يستدع ذلك سن القوانين الصارمة.


إلا أن البعض لا تستهويه تصرفات بعض الشباب في فئات عمرية معينة فيما يخص طريقة اللباس وقصات الشعر ويدعو الى التضييق على هؤلاء (المخالفين للعادات والتقاليد) من خلال إدراج تصرفاتهم ضمن قانونٍ خاص بمخالفة الذوق العام.

ولكن في رأيي أن هذه المسارعة الى سن القوانين لمنع كل ما لا يعجبنا من تصرفات الناس ستنشئ فئة من الناس تفعل ما تشاء وكيفما تشاء بحجة عدم مخالفتها أي (قانون) غير آبهة بأعراف ولا تقاليد. وكما هو معلوم أن العادات والتقاليد في المجتمع في تطور وتغير مستمر، فما هو منبوذ قد يصبح مقبولا في يوم من الايام، فما نفعل بالقانون الذي وضع على أساس مخالفة هذه التقاليد.

وانظر في المقابل الى قوانين المرور التي أساسها تنظيم حركة المرور مع المحافظة على أرواح الناس، ولاحظ التباطؤ في الحزم في تنفيذ قوانين مخالفة السرعة ووضع حزام الامان رغم الخسائر الجسيمة في الأرواح كل يوم أو بعض يوم. وحتى بعد التشديد قليلا على تطبيق بعض القوانين المرورية تجد المخالفات اليومية كثيرة جدا. ولكن ليس لدي احصائية رسمية بهذا الخصوص. وتعتبر هذه المخالفات من البعض مقياسا لمدى التزامنا ووعينا كمجتمع بأنظمة المرور. تماما مثلما أن تصرفات شبابنا مقياس لما عليه مجتمعنا.

فهل يعقل أن نجعل لكل شيء لا يروق لنا قانونا يجرمه. وكأننا نستخدم هذه القوانين وبخاصة التي (تحافظ على العادات والتقاليد) كقناع لإخفاء او تزييف ما عليه المجتمع بالفعل وواقع الحال. فالأولى الاستماع لهذه الفئة من الشباب، وغيرهم، والتعرف على أحوالهم ودراسة دوافع تصرفاتهم ومن ثم احتواؤهم عن طريق التنبيه او التوجيه وتعريفهم على آفاق مختلفة من غير وصاية ولا إكراه. وما اتوقع حدوثه هو تماما كما يحدث من قبل المشتركين في الصالة الرياضية، ستبقى فئة قليلة لن تتجاوب إيجابيا مع الطلب، أما الأغلبية فستلتزم.

مهمة نشر الوعي والتثقيف ليست سهلة. كما أنها لا تحصل هكذا بدون حركة للتوعية والتثقيف، والتي منصاتها في هذه الأيام تعددت وتنوعت. ولكنها تحتاج الى اناس ذوي همم عالية واخلاص يساهمون في هذا الحراك التثقيفي. إن وجد هؤلاء في مجتمع ما فحتما سيتحقق المراد وسينتشر الوعي. سواء كان وعيا صحيا أم بيئيا أم تعليميا أم غيره من الامور التي تحتاج وبشكل ملح للتوعية بشأنها حسب سلم الأولويات. وربما طريقة لباس بعض الشباب وقصات شعرهم تأتي في آخر قائمة هذه الأولويات. فالأولى عدم التكاسل عن مهمة التوعية والتثقيف عن طريق سن القوانين من اجل اخفاء شكلنا الحقيقي، تماما كمن يرتدي قناعا أو برقعا.
المزيد من المقالات
x