هناك لمحات جميلة في حياتنا تُشعرنا بأن الدنيا بسلام، ولكن في خضم المعارك وسفك الدماء والظلم والتشريد والمآسي التي نسمع عنها في الأخبار يصعب علينا أن نتخيل بعد كل هذا شيئا جميلا ذا معنى. فمن فقد كل شيء هل يبحث عن تعويض ما لا يمكن تعويضه؟ من أحس بالقهر والذل والضعف هل يتوقع أنه قادر أن يصمد يوما ويرفع رأسه؟ في ظروف كهذه- ونحمد الله أننا معافون منها- ما الذي يمكن للناس أن تصنعه؟ وكيف تستمر الحياة؟
عند الفقد يصبح استمرار دوران الكرة الأرضية إهانة. كيف للعالم أن يستمر وكأن شيئا لم يكن بينما لأناس ينهار كل عالمهم؟
من الصعب استشعار معاناة الغير وعندما تمر علينا المآسي في شاشاتنا ما الذي نستطيع فعله؟ هل لنا أن نغير واقع غيرنا بما يعينهم ويجدد أملهم، أم أن الانتشار الواسع دون أي صدى يزيد الطين بلة؟
كثرة تعرضنا لصور الهدم والقتال وآثاره تجعلنا نفقد الحساسية تجاهها، وبدلا من أن نستنكر مرارا على نفس الشيء يفقد الاستنكار حدته حتى نصل إلى مرحلة تغيير محطات الأخبار دون أن تتحرك فينا المشاعر.
وهل الاستنكار كاف أصلا أم أنها حيلة العاجز؟ وهذا فعلا ما أصبحنا عليه، نعجز عن المساعدة، ونعجز عن منع المآسي ورفع الظلم والعدوان. شعور العجز هذا يأتي مع فقدان الأمل ويولد الخوف من المستقبل وهذا الخوف يشل ويمنعنا من التصرف. فما الذي بأيدينا أصلا؟
كل منا له طريقته الخاصة في التعامل مع مثل هذه المواقف. البعض يهرب من الواقع إلى ما يسليه ويعطيه وهما من الإيجابية بينما البعض الآخر يخدر مشاعره بالانهماك في ما يشغل أو بتعاطي الكحول أو المخدرات. ولكن إن خدرنا مشاعرنا السلبية فإننا كذلك نخدر الإيجابي منها ونفقد قيمة الحياة.
في ظل فقدان الأمل والعجز يكون أثمن ما يجب أن نحافظ عليه إنسانيتنا. إن لم نستطع أن نساعد المتضررين بشكل مباشر فعلينا أن نساعد أيا كان. علينا أن نكون مؤثرين في محيطنا بشكل إيجابي وبلفتات إنسانية وإن كانت بسيطة. علينا أن نعزز أن الدنيا ما زال بها خير.
لذلك علينا أن ننشر الطيبة ونهتم بمن حولنا ونسأل عن الناس وأحوالهم. علينا أن نبتسم ونبادر بالمساعدة دون أن يطلب منا ذلك. هل نستيقظ ونحن همنا إسعاد من حولنا أم نمضي يومنا حتى نضع رؤوسنا على الوسادة لنستعيد شريط اليوم ولا نجد فيه بريقا من جمال الروح؟. مهما فعلنا فهناك المزيد مما يمكننا أن نفعله. إن تصرفنا فقدنا العجز وذقنا حلاوة العطاء ولم نعد ضحايا لما نعجز عن تغييره. لن نستطيع إعادة كتابة الواقع بأكمله ولكن علينا على الأقل المحاولة لإحياء الإنسانية والأمل.