«عن الأشياء التي لا يرونها رأي العين كنت أنت تتكلم كانوا هم يضحكون..».
هذا الكلام الرصاصة موجه من شاعر الى آخر، وكان هذا الآخر يثقب أمام عيني مجتمعه، وكان هذا المجتمع يضحك منه وعليه لأنه لا يرى اللؤلؤ الذي ثقبه.
أكتب هذا في يوم الشعر العالمي وبين يدي كتيب صغير بعنوان: (عن الشعر في زمن اللاشعر) للدكتور رشيد بنحدو، وهو يضم عشرة أسئلة حول الشعر موجهة إلى واحد وأربعين شاعرا ليس بينهم شاعر عربي واحد.. ويهمني هنا أن أطرح السؤال الأول وبعض أجوبتهم عليه:
ما موقع الشاعر في المجتمع؟
يجيب أحد الشعراء:
«ليست للشاعر أية وظيفة اجتماعية فهو غير موجود بالنسبة للمجتمع».
ويجيب آحر:
«موقع الشاعر أساس في المجتمع، لأن له قدرة على استجلاء الأشياء وتوحيد المتنافرات في جو من الثقة، فبدونه لا يستطيع الإنسان أن يعثر على بعده الحقيقي، أي على وجوده».
أنت وبعجب صارخ، تلمس الفرق التناقضي بين الإجابتين، ولكن حين تسأل عن النتيجة لا ترى هذا التناقض، فهما هناك يلتقيان، ترى كيف ذلك؟
الإجابة الثانية تدعي أن الشعر ضرورة للإنسان لأنه بدونه لا يستطيع أن يعثر على بعده الحقيقي أي على كينونته، أي على وجوده.
هذا ادعاء واضح، ولكن قل لي في زماننا هذا من يفكر في العثور على بعده الوجودي؟ وهل عنده من الترف ما يكفي لتفتح أبعاده كلها؟ كلا، إن الإنسان الحاضر لا يملك هذا الترف فقد طمس الرأسمال أبعاده الحقيقية ولم يبق منها إلا الرغبة العمياء في المظاهر والاستهلاك.. وإذن قد سلب الرأسمال وظيفة الشعر فأصبح الشاعر بدون وظيفة اجتماعية.
هل قرأت ما قاله هربرت ماركوز في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد»؟ إنه يقول:
«الانسان ذو البعد الواحد هو ذات الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية، إنه ذلك الذي يتوهم أنه حر لأنه يختار من تشكيلة كبيرة من البضائع والخدمات التي يكفلها المجتمع لتلبية حاجاته، إنه كالبعد الذي يوهب الحرية في اختيار سيده».
غريب هو الشعر أيها السيد.