سيبادر الكل بقوله كلمة (الاختراع)، وهي الكلمة التي تعودنا على قولها دوماً حين نرى مبتكرا أو جهازا جديدا، بأن الحاجة هي أم الاختراع، ولكن هل دوماً هي الحاجة التي تؤدي إلى الاختراع أم غير ذلك.. وما هي الحاجة هل هي فقط الحاجة المادية أم المعنوية أم ماذا؟.. وهل هي الحاجة التي تؤدي بنا لذلك.. أم أن هناك أمورا أخرى تجعلنا نفعل ما نفعل.
والدة رزقت بخمس من الفتيات لأب مدخوله الشهري لا يكفي إلا لوجبة واحدة باليوم فقط بعد دفع المديونات والفواتير.. تدربت على الخياطة وبدأت في كسوة فتياتها ونفسها وزوجها؛ للتخفيف على المصروفات.. وهكذا استمرت حتى اتقنت فنون وأسرار الخياطة، وبعد مرور العديد من السنوات كتب الله لها الوظيفة الرسمية فما كان منها إلا أن ألقت لهذه الموهبة جانباً ولازمت هذه الوظيفة واعتمدت كلياً على الخياطين والأسواق وغيرهم، وكأنها تشبع حاجة دفينة بالنفس وبدون تفكير.
وأخرى حباها الله -سبحانه وتعالى- بموهبة الطهي وأيضاً بنعمة الفراغ.. بدأت بذويها وأقاربها وتشجعت في بدء العمل الخاص بها، وكان تيسير الله لها، ساعدت والدها ووالدتها وأخوتها ولكن.. ما أن توظفت بدأت بالتعذر بأنه لا يوجد وقت فراغ لديها لممارسة موهبتها ومصدر رزقها الآخر.. فكانت النهاية.
ناهيك عمن كانت الحاجة الخاصة به هي اشباع ذاته بالمال الوفير، والذي لم يتسن له من خلال عائلته البسيطة في مدخولها.. فمارس المهنة المحببة له واستطاع أن يجمع المال للبدء بمشروعه وكان له ذلك، وبدل أن يكون من التجار الذين يخافون الله... مارس موهبة الجشع ولسان حاله يقول (عندهم فلوس يبون يصرفونها)! فكانت الحاجة بداية للطمع.
من الجهة الأخرى، هناك من يخترع ويقدم للإنسانية الأمور التسهيلية للبروز والظهور والتفاخر، بالإضافة لجمع الأموال للعيش برغد.. لم يرد عليّ أحد حتى الآن لم تكن الحاجة بشتى أنواعها كانت سبباً لموهبته أو لاختراعه لأمر ما، لذلك فقد تتعثر هذه الأمور، وتنتهي حين تصطدم بأي أمر أو تُشبع الذات حاجتها منه أو أن يؤدي إلى ظهور أخلاقيات غير محببة.
لطالما كان الاحتياج دافعاً لنا لكثير من الأعمال التي لا نرغب في فعلها؛ لأن المحرك لها ليس رغبتنا بل مفروض علينا من قبل العالم الخارجي، والنفس البشرية تأبى أن يضطرها الأمر لفعل ما لا تريد فعله، فتفعله على مضض فيتكون لدينا حصيلة من الأمر التي لا تكاد تظهر حتى تنتهي.. يكون الإنسان منتجاً بهذه الحاجة ومن ثم مستهلكاً جشعا بعد الإشباع.
لنعلم أن الله -سبحانه وتعالى- قد ضمن للكل رزقه وحاجته، وأودع فينا من الطموح الشيء الكثير، والذي بواسطته نستطيع ان نقدم لأنفسنا وللبشرية الكثير من الأمور الجيدة ذات الجودة العالية والسعر المناسب بلا طمع ولا جشع ولا غش.
سيأتيك رزقك المكتوب، ويأتيك الخير الذي قُسم لك من الله، فلا تجعل سيئ الأخلاق محركا لك، بل اجعل حسن الأخلاق والكسب الحلال هو أمام ناظريك.. لا تستغل حاجة الناس ومرض الاستهلاك -الذي أصيب به الكثير- طريقك لكسب رزقك؛ لأنه بيوم ما إما أن يزيد خلقك سوءا أو أن يفقدك كل ما تملك.. وكما حفظنا مقولة (الحاجة أم الاختراع.. فلنحفظ مقولة (الجشع يمحق ما جُمع).
طوبى لمن كان طموحه هو أصل اختراعه وبداية مكسبه وطريق تفوقه.. لأن طموحه سيدفعه لحب ما يفعل لا أن يفعله لمجرد حاجته.
* تربوية متخصصة بالعلوم الشرعية والنفسية