DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

قفا نضحكْ 2-2

قفا نضحكْ 2-2

قفا نضحكْ 2-2
قلت في مقالٍ سابق: إنَّ «قفا نضحكْ» عنوانُ مقالٍ كتبه الأستاذ محمد العلي في منتصف التسعينيات لجريدة «الجزيرة». وأشرت إلى بعض دلالات العنوان، وأوجهه المحتملة. وأستعيره هنا، مرة أخرى، في «وقفة ضاحكة» مع أبرد الأبيات التي نصحنا بها الأديب العباسي الظريف أبو العنبس، عندما قال: «إن قدرتَ أن تقولَ الشعر جيدا.. جيدا، وإلا فليكن باردا.. باردا، وإياك والفاتر فإنه صفْعٌ كلّه»!. وفي ذلك إشارة إلى البيت القائل: «وشاعرٌ من حقه أن تَصفعهْ»! وهو أحد الأبيات التي يستشهد بها سدنة التقليد والثبات في تصدّيهم للتجارب الجديدة الخارجة على المتداول والمألوف. في هذا المقال سأركز على «البارد» من الشعر الشعبي، وسيكون الحب وحده غرضَ الأبيات التي سوف أستعرضها. وفي هذا الشأن يعبر أحد فرسان الحلمنتيشية الشعبية «الباردة» عن قلقه أو خشيته من انقطاع الوصل مع الحبيب فيتمنى قائلا: «يالَيْتني في جيبكْ ارْيالْ مقطوعْ/ يبقىَ معكْ ما يقبلهْ أيّ دكانْ»! وهذا هو الضمان الوحيد لديمومة الحب. ويعبر أحدهم عن حبه بروح عقارية استثمارية فيقول: «قلبي بحبَّكْ بانْيِنْ لِهْ عمارةْ/ وامْنَ الغلا تحت العمارهْ دكاكين»!، ويبدو أن الدكاكين لا تلحق بالعمارة إلا إذا وصل الحب مرحلة الوَلَه أو الهيام، وهما أعلى درجات الحب. كما يشكو أحدهم (ويبدو أنه سائق أو ميكانيكي أو عامل بمحطة تغيير زيت) من فراق الحبيب وما أصاب قلبه من عطب يسبب ألم الفراق، حتى صار قلبه يهرّب أو يسرّب دما أو «زيتا» فيقول: «قلْبي قَبلْ فَرْقَاكْ ما يَنْقص الزيتْ/واليوم أَزَيدهْ بكلْ مشوارْ علبةْ»! وعبَّر آخر عن معاناته من الفراق بصورة أخرى، فشبَّه لوعةَ الفقد بحسرة الأطفال حين يمرون بالدكان فلا يتوقف أبوهم ليشتروا ما يشاؤون فيقول: «أحْزنْ على فرْقاكْ مثْل الوَرَاعِين/ لا مرَّوا الدكان واسْرَعْ أبوهم». والذين عاشوا في زمان (البيجر) يدركون معنى قول الشاعر: «البيجر اللي ما ظَهَرْ رقْمَها فيه/ حرامْ والله دَفْعتي لاشتراكَهْ»! لا أعتقد أن من يأتي بمثل هذا الكلام الهزلي البارد يعجز عن قول ما هو أسخن وأجمل وأبدع، ولعله أراد أن يأتي بالمضحك، أو يهجو النصوص التي ترتدي جلباب الجد وهي خواء، أو يسخر من المشاعر الزائفة التي تعبر عنها النصوص الفاترة، أو يجاري عبثَ الواقع الذي لا قدرةَ له على تغييره بعبثٍ مماثل، فهو هجاء للزيف والرداءة والضحالة الأدبية والثقافية. ولعل من التسرع «تسفيه» هذا اللون الحلمنتيشي الشعبي. فنحن إزاء نص يفجر ينابيع الضحك في هذه الأزمنة المكفهرة الكالحة. فإن لم يمنحنا الفائدة منحنا المتعة. وهو من هذه الزاوية متفوق على النصوص الفاترة المترهلة التي لا تمنحنا شيئا على الإطلاق. كما أنه أجمل مما كتبه أولئك الذين دخلوا إلى وادي عبقر من النافذة، فأدخلوا المتلقي في متاهات لفظية تأتي بسهولة وترحل من الذاكرة بسهولة مماثلة. المشكلة، والحال هذه، ليست في النص البارد، وإنما في تلقي النص ثم الاستجابة والتفاعل معه. لذلك يقترح الأستاذ محمد العلي في أحد مقالاته على من لا تضحكه مثل هذه النصوص أن يسلّم نفسه لأقرب عيادة نفسية. اليوم (8057 / 7 يونيو 1995) إن ما تعانيه الساحة الثقافية بشكل عام هو النص الفاتر، والمقال الفاتر، والموقف الفاتر، أو «نصف الموقف» كما يعبّر أحد الشعراء. * متخصص في الإدارة الدولية المقارنة
المزيد من المقالات