"قفا نضحك" هو عنوان مقال كتبه الأستاذ محمد العلي لجريدة الجزيرة قي منتصف التسعينيات. وهو عنوان حمَّال أوجه، ويستدرج تداعيات كثيرة، ومنها الضحك من البكاء على الأطلال. وفي ذلك معارضة لقول امرئ القيس: "قِفَا نَبْكِ"، وتهكم شبيه بقول أبي نواس: "قل لمن يبكي على رسمٍ دَرَسْ/ واقفاً ما ضرَّ لو كان جَلَسْ". وقد يكون ضَحِكاً كالبكاء، حسب تعبير المتنبي، أو أنه ضحك للضحك وحده.
أما ما يدفعني إلى استعارة هذا العنوان، واقتراح هذه "الوقفة الضاحكة" فهي دعوة تلقيتها لحضور أمسية أدبية، وكنت أظن أن المعارك التي كانت دارت رحاها في بداية القرن الماضي حول شكل النص قد ولَّت إلى غير رجعة. لكني كنت متفائلا، فقد أبى المحاضر إلا أن يعيدنا إلى القرون الوسطى، وهو يتمثل منتشيا بأرجوزة أكل عليها الدهرُ وشربَ وتثاءبَ ونام تقول: "الشعراء فاعْلَمَنَّ أربعةْ" قلت في نفسي: ولماذا هم أربعة، وليسوا أقل أو أكثر؟ ثم أدركت أنهم أربعة إذعانا للقافية.
ومع أن الموضوع برمته لا يستحق النقاش باعتباره موضوعا قد "انتهت صلاحيته" منذ زمن بعيد، إلا أن إثارته تشكل منطلقا لاستعراض بعض النصوص الفاترة والباردة. وهذه مسألة لا تناقش دون اللجوء إلى الدعابة، ونزع رداء الوقار والمهابة.
لو كان للشكل من دون المحتوى أهمية، لكانت الأمثلة التي سأستعرضها لاحقا من أعظم ما قالته العرب والعجم والبربر. فهي سليمة وزنا وقافية. لنستعرض بعض الأمثلة: فهذا شخص لا يراعي التوقيت المناسب، يقض مضاجع النيام، ويحرمهم جميل الأحلام، ويستصرخهم قائلا: "ألا أيها القوم النيام ألا هبّوا/ أسائلكم هل يقتل الرجلَ الحبُّ". وكان الأولى بصاحبنا أن ينتظر حتى يستيقظ القوم من نومهم، ويتناولوا وجبة الفطور. ثم يوجه لهم ذلك السؤال الخطير.
ولو كان للشكل من دون المضمون أهمية، لكان هذا القول البارد مثالا للإبداع. وأولى بالاتباع. تأمل كيف تفتقت قريحة هذا الناظم عن هذه الصورة المزرية في قوله: "إذ لو رأتني بنت جيراننا كأنني في البيت مثل الحمار". زِنوا هذا البيت بـ "ميزان الذهب في صناعة شعر العرب". قطّعوا هذا البيت بكل سكاكين "التقطيع الشعري" إلى إرب. وستجدونه محكمَ الشكل، لكنه بائس المضمون سريع العطب.
وماذا عن ذلك الأعرابي الذي غرّب وشرَّق، ونظم ونمَّق، وجاء إلى سيف الدولة مهنئا إياه بانتصاره على خصومه في إحدى معاركه المحمومة فقال: "وكانوا كفأرٍ وسوسوا خلفَ حائطٍ/ وكنتَ كسنّورٍ عليهم تسلقا". هل وجدتم يا سادة في هذا البيت خللا عروضيا؟ إطلاقا. لكن الخلل متعلق بالمضمون أما الشكل فلا غبار ولا أتربة عليه. تأملوا كذلك الحقائق الموزونة المقفاة في قول ناظمها: "الليلُ ليلٌ والنهارُ نهارُ/ والبغلُ بغلٌ والحمارُ حمارُ/ والديكُ ديكٌ والدجاجةُ زوجُهُ/ وكلاهما طيرٌ له منقارُ". حقائق لا يتصارع عليها ديكان، أو يتناطح من أجلها خروفان.
ومع أن تلك الأبيات باردة.. باردة، إلا أنها لا تفتقر إلى الطرافة والظرف، وهذا ما يشفع لناظميها. ولعل بعضها قد كتب سخرية من رداءة وضحالة المنتج الأدبي أو الثقافي "الفاتر".
والآن.. "قفا نضحك" ممن يغرّد في الوقت الضائع. فهو يشبه في عزلته جنديا يحرس موقعا نائيا معزولا، فلا يدري أن الحرب قد انتهت، وأن معاهدات صلح قد وُقِّعت، وأن جغرافيا العالم قد تغيرت. وللضحك بقية.
* متخصص في الإدارة الدولية المقارنة