DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

ومادة الأخلاق

ومادة الأخلاق

ومادة الأخلاق
عند قراءة عنوان المقال، قد تبرز في الأذهان صورة شارع تظلله الأشجار، ويجري بجانبه النهر، تختلط على رصيفه رائحة الورد بأنفاس رواده، شارع يختاره العشاق للقاءاتهم... ليس هذا ما أعنيه، بل أعني الشارع العام الذي نذرعه جميعنا في كل وقت. شارع ربما يخلو من الأشجار يحفه الجفاف الترابي والصلابة الإسمنتية من كل جانب، ولكنه في النهاية شارعنا الذي نمر عليه في ذهابنا وإيابنا من كل مكان، شارعنا الذي نرى فيه ما لا يسرنا من تجاوزات وإساءات يتبادلها معظم من يسيرون فيه فيما بينهم وبين الشارع وما بينهم وبين بعض، شارعنا الذي لم يحظ بكثير من الاهتمام من قبل كثير من المحاضرين والخطباء والمعلمين، رغم أن هذا الشارع هو وسيلة نرفع بها درجة إيماننا بل وإسلامنا واستسلامنا لله، فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، هذا الحديث المرشد كتبت عنه من قبل وكتب عنه غيري ووقف على جميل معناه وأثره كثير منكم، وما زلنا نجاهد لتطبيقه كما يجب في كل شؤون الحياة، ولكني اخترت الشارع تحديداً؛ لأن ما يحدث فيه ينبئ عن مساوئ كثيرة نقع فيها يوماً بعد يوم ولحظة بعد أخرى. فعندما يقف أحدهم في المسار في الوقت الذي ينوي فيه أن يتجه إلى الأمام، فهذا يعني أنه لم يفطن لمن اصطفوا خلفه يريدون الانعطاف يميناً، في حين وقف ليمنعهم وهو يفخر بنفسه حين تجاوز عشرات من الملتزمين في مسارهم ليقف أمام الجميع في أقرب نقطة للإشارة المرورية، ويتابع طريقه دون أن يهتم بأنه انتقص من إيمانه بهذا التصرف الأناني الذي منعه من التفكير بالآخرين وحقهم في عبور الطريق، وماذا لو كان مكانهم وسلب أحدهم هذا الحق منه؟! هل سيتغاضى ويظهر كريماً ومتسامحاً مع من أساء إليه؟ أو ينزعج ويضع يده على المنبه ليطالب بحقه؟، وذاك الذي يراك وأنت تستعد لإيقاف مركبتك مكان أخرى تستعد للخروج ثم يأتي من الطرف الآخر ويسبقك للفوز بالموقف مع نظرة ازدراء لك، وبخاصة لو كنت أجنبياً يرى أنه أحق بالمكان منك. هذا ايضاً لم يشعر بانتقاص ايمانه لأنه لا يعرف من معاني الحب إلا القليل القليل، ويجهل كيفية حب الغرباء ليكسب ايماناً مكتملاً. كم من مرة رأيتم فيها من يتعدى على الشارع ومن فيه حين يعاكس دعوة دينية أخرى هي إماطة الأذى عن الطريق، وذلك حين يسهم بزيادة الأذى بدلاً من إنقاصه فيلقي بعلبة هنا وبقايا طعام هناك، وأحياناً لا يتردد في إفراغ أوساخ سيارته كلها في الطريق ثم يتابع مسيره، وكأن أمراً لم يكن، مع أن الأمر جلل، فقد نقص إيمانه من جانب وتجاوز خطوط الإحسان من جانب آخر وأساء لنفسه قبل أن يسيء لغيره. إن هذا الحديث الذي يعلمنا أن نحب حباً مفتوحاً ومركزاً -نتعامل نحن معه بتجاهل قوي- كفيل بحل كثير من إشكالاتنا الاجتماعية لو أعملناه في حياتنا وفي كل تفاصيلها، وليس الشارع فحسب، ولكنه للأسف لم يأخذ حقه من الاهتمام فحلت بعض القوانين الوضعية محله، وما زال كثير منا يطالب بالمزيد منها كفرض غرامات مالية على كل من لا يحب لغيره ما يحب لنفسه، حين يسيء للأماكن العامة بقاذورات أو غيرها، وهذا لأننا حين تلقينا العلم الديني لم نأبه للأخلاق إلا فيما ندر، ففصلنا بذلك بين الدين والأخلاق فصلاً مقيتاً ترتبت عليه إساءات كثيرة تسببت في إرهاقنا مادياً ومعنوياً على المستويين العام والخاص، يقال إن اليابانيين خصصوا للمرحلة الإبتدائية منهجاً للأخلاق في الوقت الذي تجنبنا نحن فيه ما ارتبط بالأخلاق في ديننا، وقدمت إلينا مادتها جاهزة في آيات بينات وأحاديث نبوية ومنحنا تركيزنا لكيفية احتساب وقت الصلاة بالشمس!!، وانشغل الكبار عن الأخلاق بإصدار عشرات الكتب والنشرات والخطب والمحاضرات عن وضع الأكف أثناء الصلاة وعن التيمم وغيرها من تفاصيل جعلتنا نقف بين يدي الله في الصلاة ونحن نتساءل هل صلاتنا مقبولة أم لا؟ لأننا لم نقف كما يجب ولا نفكر في قبولها لأننا تسببنا في أذى كبير للناس والطريق قبل أن نكبر للصلاة. إن مادة الأخلاق أو الحب صارت حاجة ملحة في مدارسنا اليوم لنوازن بين العبادات والمعاملات التي نثاب أو نعاقب عليها من رب العباد، نحن بحاجة لهذه المادة حتى لا نتجاهل آيات الحب والإحسان والإخلاص في العمل والتعامل، ولتكن هي قوانينا التي لم تسن لها الغرامات ولكننا نفعلها بالحب.
المزيد من المقالات