عندما أرى عمال النظافة وبؤس الحال الذي يغمرهم، ونرى كلنا ملامحه في عيونهم عندما يستجدوننا دون كلام أثناء مرورنا بقربهم في المجمعات التجارية أو على جسر الملك فهد وهم يقتربون من السيارات ليلتقطوا ورقة ملقاة ليست هي هدفهم بقدر ما يهدفون إلى الاقتراب من الناس فلعل أحدهم يقرأ ذلك الحال في عيونهم فيفوز بما تجود به أنفسهم.. هناك من يمد خمسة ريالات وهناك من يفرح قلبه بخمسين.. ومع هذا تبقى حاجتهم للمال كبيرة، فرواتبهم بالكاد يجمعون منها ما يبعثونه لأهلهم، ليبقى لهم القليل القليل ليأكلوا ويشربوا منه. وفي شهر رمضان تزداد متابعتي لهم وأرى إعلانهم شبه الواضح للرغبة في أن ينالوا نصيبا من صدقات الناس وزكواتهم فأتذكر قوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم). وأتوقف عند أبناء السبيل، ما أكثرهم وما أوجع آلامهم ويالشدة احتياجهم ومع هذا لا يجدون ما يستحقونه سوى بالقليل القليل من المال وكثير كثير من الطعام يعد في تلك الخيام بما يزيد عن حاجتهم!! ويعرف ابن السبيل بأنه المسافر المنقطع به في سفره بسبب نفاد ماله وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله وابن السبيل)، وهذا النص يدخل فيه كثير من أبناء السبيل بيننا ممن نعرف بأنهم ليسوا أغنياء حتى في بلادهم، وقد وجدت بحثا أعده أ.د. عمر الأشقر عن أبناء السبيل وكان من ضمن تعريفاته لابن السبيل أن يكون محتاجا في سفره غنيا في بلده وأن لا يكون سفره للمعصية ولا يشترط عدم قدرته على العمل والتكسب. وعليه فيعطى ابن السبيل من الزكاة. والحقيقة أن الاجراءات التي تتبعها الدولة مع بعض أبناء السبيل تتطابق مع تلك التعريفات، ولعل مكاتب الترحيل هي أحد تلك المكاتب التي ترعاهم حتى ترحيلهم، وهو ما يحدث أيضا مع المقيمين الأثيوبيين مثلا بغض النظر عن مخالفاتهم لنظام الإقامة. وهذا الجانب لا أريد التوقف عنده، فما أريد أن أشير إلى أهميته هو الجانب الفردي وأعني لماذا يغيب عن الناس تقديم صدقاتهم وبعض زكواتهم لأولئك العمال الفقراء هنا وهناك؟ ولماذا يهللون ويفرحون لأي تكريم صغير مادي أو معنوي يقدمونه لهم مع أنه أمر مشروع بل ومفروض عليهم تحقيقه بأمر من الكتاب والسنة في حين أن بعضهم يهتم جدا بتفاصيل تلك الآية الكريمة ومنها (والعاملين عليها) وهو الأمر الذي ترتب عليه تسابق بعض البشر على ذلك للحصول على نصيبهم قبل اهتمامهم بالمصارف الأخرى.. حتى صار بعض العاملين عليها من الأثرياء وصارت الأموال تستغل بشكل خاطئ إن لم يكن اجراميا في بعض الأحيان. وقد تابعت كما غيري منذ بضعة أسابيع ما بثته إحدى القنوات التلفزيونية عن الخلل الذي تمارسه إحدى الجهات التي تجمع أموال الناس، صدقاتهم وزكواتهم، من أجل ما يعلنونه عن مساعدات خارجية للاجئين العرب في أنحاء العالم العربي، ثم رأينا ماذا يفعلون بها وكيف أن من يفترض بهم أن يستفيدوا من المال يعانون من الكذب الذي يمارس بحقهم فقد استلموا بطاقات توحي باستحقاقهم ومن ثم لم يصرف لهم شيء منها ناهيك عن الممارسات غير الأخلاقية التي ارتكبها بعضهم هناك من الزواج المؤقت بالصغيرات وما ترتب على ذلك من إساءات ضد الإنسانية وضد المال وضد اسم الوطن ومع هذا ما زال هناك بيننا من يثق بتلك الجهات التي لا تدخر وسعا في الإعلان عن نفسها وأعمالها الوقفية وغيرها وهي بعيدة تماما عن المراقبة المالية بحجة الثقة بهم ربما. ومازالت الأخطاء في هذا المجال تتكرر تارة في توليد الإرهاب وتارة في التلاعب بالأموال بالباطل ونحن غافلون ومصرون على الغفلة.