كان مقالي الذي نشر يوم أمس بعنوان (الدعوة القرآنية للحب والسلام) وقد طلبت أن يعاد نشرة بالأمس رغم أنه نشر منذ عدة أشهر؛ وذلك لزيادة انشغالي بتلك الفكرة انطلاقاً مما قلته في المقال السابق. ومن أهم أفكاره: الضعف الشديد فينا كمجتمعات بشكل عام وكأفراد - وبخاصة ممن لهم ذلك التأثير الديني الواضح - في الوقوف على عمق الدعوة الشرعية للتآخي والإيثار بين الناس، استجابة لمفهوم الحب بين الناس بعد الحب بينهم وبين الله، وقد تكررت الإشارة إلى الأسباب التي تحقق حب الله لعباده، وكل تلك الأسباب نفسها هي الوسيلة لإشاعة الحب بين الناس ومع هذا مازلنا في صدود مستمر عنها!!إنها الحياة التي إذا شئنا جملناها وإذا شئنا ملأناها قبحاً دون أن نشعر!! فالحياة بلا حب كالجسد من غير روح رغم ما يحققه ذلك الحب للناس من فوائد جمة يصعب حصرها، بل إنه العلاج الذي تشفى به القلوب والأجساد أيضاً، فعلل الأجساد معظمها من علل النفس. والعلل الاجتماعية التي تحتاج لمد يد الحب كثيرة جداً، وقد ألحت علي الفكرة كثيراً بعد أن تابعت عدة حالات انسانية عولجت بالحب الذي بنيت عليه قرارات وأساليب تعامل خاصة مع من لم يكونوا إلا بحاجة ماسة له على اختلاف حالاتهم واختلاف أسبابها؛ كيف لا وقد كان الحب وما زال من الأسس الإيمانية في خاتم الأديان (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، ان يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن انقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
فالمحبة لله من أوثق عرى الإيمان وهي أصل لكل حب إذا أحسنا تطبيقها بالعقل قبل القلب، لأنها لا تتضمن أن تحب من تعرف أو من له انتماءاتك نفسها في الدين والعرق واللون، ولهذا كانت المكافأة على ذلك الحب من الله، وبالله عظيمة جداً فقد ورد في الحديث القدسي أن الله ينادي يوم القيامة (أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم بظلي) يوم لا ظل إلا ظله، ويترتب عليها أيضاً وجوب محبة الله (وجبت محبتي للمتحابين فيّ.....) فالحب هو روح الحياة، وبه تستقيم أمورنا التي نعاني منها في جوانب شتى حتى فيما نتخيل أنه بعيد عن ذلك تماماً، ومنها أعمالنا وعلاقاتنا الإدارية التي نستبعد الحب عنها أثناء ممارساتنا اليومية، بل إننا نجد من يرفضه تماماً، ويضع عليه الحواجز ويمنع الآخرين من ايجاد الحلول المجدية له تحت عبارات رنانة من قاموس الأنظمة التي يتوهمون الا صلة لها بالحب وأنه السبيل الأمثل لعلاجها.
عندما كنت أستعرض بعض المواقف الإدارية كما حدثت، ثم استعرضها لو افسحنا للحب أن يتدخل فيها لكان الوضع مختلفاً تماما. ولكن للأسف هذا لا يحدث من كثير منا حتى في أبسط المواقف التي يمكن تدبيرها بالحب دون أي إخلال بالنظام. شأنها شأن العلاقات الإنسانية الأخرى، ومنها الزواج الذي عد هو السكن الذي يتبادل فيه أطرافه المودة والرحمة، وهما من أسس الحب الذي اذا وجد زانت به الحياة، بل إنهما مسئولان عن صناعة القدرة على التحبب الذي من شأنه أن يحقق الحب شأنه في ذلك شأن الحلم الذي يأتي بالتحلم والصبر الذي يصنعه التصبر. إنها الحياة التي إذا شئنا جملناها وإذا شئنا ملأناها قبحاً دون أن نشعر!! فالحياة بلا حب كالجسد من غير روح، وبقاء الجسد ومتعته مرهونة بوجود روحه ولهذا لا نعجب من هذه الوحشية التي تجتاح العالم باسم النظام والقانون والحقوق والسياسة والدين الذي أخذ ببعضه وترك بعضه.
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.


