أمَّا الناشر فمعروف، وأما «المنشور» فهو المؤلّف أو الكاتب طبعا. يقول المغني جون لينون: «الموسيقى مُلكٌ لكل البشر. الناشرون فقط يرون أنها ملكية خاصة». ليست الموسيقى فحسب بل كل إبداع أدبي أو فني هو بمعايير بعض الناشرين «سلعة» برسم البيع.
تحكي بربارا بوش أن ثلاثة ناشرين قصدوا البيت الأبيض بعد خسارة زوجها في الانتخابات عارضين عليها طباعة كتابها. قالت: «ليس لدي ما أطبعه». قالوا: «مؤكد أن لديك دفترا لتدوين يومياتك»! ومعنى هذا أن الاسم وحده هو محور الاهتمام، والباقي مجرد مسائل ثانوية. إن حاسة الناشر التجارية تؤكد له أن المستهلك أيضا لا تغريه المعاني والأفكار بل الأسماء والأسرار. وبالتأكيد فإن يوميات سيلفيو برلسكوني وأسرار حياته أكثر إثارة وتشويقا من يوميات «الغلابى» أمثالي.
امتلأت بيوت الكتاب والأدباء بالدروع حتى ضاقت الزوجات بها ذرعا. ويبدو لي أن الاهتمام بنتاج الكاتب في حياته أفضل من الدروع وحفلات التكريملكن لماذا يُلام الناشر على اهتمامه بمؤشر المبيعات مادام الكل يسعى وراء المال؟ كان أحد الأصدقاء يردد مازحا العبارة الشعبية القائلة: «الفلوس وسخ دنيا» لكنه سرعان ما يضيف قائلا: «أما أنا فأعاني من النظافة وليس من الوسخ». ولا عجب أن يتصرف الناشر وفقا لمنطق السوق فيتردد في طباعة كتاب يخاطب النخب المثقفة، ويلاحق (الآنسة فضيحة) لينشر مذكراتها. فهو تاجر وليس رئيس جمعية خيرية.
مع ذلك، ينبغي أن لا يدفعنا ما يقال عن دُور النشر إلى نكران الدَّور الذي لعبته، وما زالت، في صناعة الكتاب وخدمة الثقافة. من حق الناشر أن يحقق أرباحا، أما ما ليس مقبولا فهو أن تكون حقوق المؤلف آخر اهتماماته.
الإبداع جهد فردي، لكن نشره وتوزيعه جهد يفوق طاقة الفرد وإمكاناته المادية أحيانا. فما هي السبيل للخروج من دوامة النشر والتوزيع وحفظ حقوق المؤلف؟ التواصل مع الناشر في الداخل أيسر وأسهل، لكنه شبيه بالسهل الممتنع، ويكمن ذلك الامتناع في التوزيع والوصول إلى القارئ في الداخل والخارج. أما الطباعة في الخارج فتحقق الانتشار، لكن ثمن ذلك الانتشار هو ضياع حق المؤلف. فمن يحمي المؤلف من الناشر أو «المنشار» كما يسميه الدكتور غازي القصيبي.
لعل لدى المؤسسات الثقافية المحلية، وفي مقدمتها النوادي الأدبية، مفتاح الحل. ويتطلب ذلك أن تعيد النظر في آلية نشاطاتها الثقافية فتركز على ما ينفع الثقافة ويمكث في الأرض. إن تكلفة المهرجانات والنشاطات المنبرية الأسبوعية أعلى، وأثرها مؤقت ومحدود، أما أثر الإصدارات فدائم. لا أقترح، هنا، إلغاء النشاط المنبري بل التقليل منه لصالح مخصصات النشر والتوزيع. وتقليل النشاط المنبري يعني تقليص ما يصرف على إقامة الضيوف وتذاكر السفر والدروع.
وفي ظل آلية النشر والتوزيع المعمول بها في النوادي الأدبية حاليا يتعذر نشر النتاج الثقافي المحلي وتوزيعه في الداخل والخارج. (يقتصر توزيع إصدارات بعض النوادي الأدبية حاليا على الضيوف وأعضاء مجلس الإدارة أو المشاركة في معرض الكتاب السنوي). وسواء تعاملت الأندية الأدبية مع دور نشر في الداخل أم الخارج فإن ما يهم المؤلف هو أن يوزع كتابه داخل المملكة وخارجها. وأن تكون حقوقه محفوظة قولا وعملا. قد يتطلب تحقيق هذا الاقتراح مرونة في إجازة الإصدارات المقدمة للنوادي، ومع المرونة مخصصات مالية كافية.
لقد امتلأت بيوت الكتاب والأدباء بالدروع حتى ضاقت الزوجات بها ذرعا. ويبدو لي أن الاهتمام بنتاج الكاتب في حياته أفضل من الدروع وحفلات التكريم التي تشبه قبلات الوداع الأخيرة.