مقالي اليوم، قصة أنقلها من الواقع لإحدى طالباتي، علَّها تكون عظة وعبرة لكل زوجة أب متجبرة ظلوم.
تقول: اكتب اعترافي وقلبي يرتجف كطير ذبيح لم يحسن ذبحه، فقد عجزت عن الانفلات من طغيان هذه النفس المحمومة، والفضل يعود لزوجة أبي، للمرأة التي جعلتني مجرمة وصنعت مني شيطاناً تفجرت في قلبه مراجل الحقد والانتقام.
تعلمت منها الغدر والكذب، فكانت المدرِّسة والمدرسة للنفاق والظلم، وكنتُ الطالبة المجتهدة التي حفظت المنهج كاملاً، وتخرجت بدرجة شيطان أول في صورة إنسان.
كان تعاملها معنا أمام والدنا والناس ينابيع من الحب النقيأعلم أنها تذوب شوقاً لمعرفة انتقامي ومن مَنْ؟ ومتى.. ذوقي أيتها الظالمة جحيم الرعب الذي أذقته لنا على مر السنين.
كنا كفئران مذعورة عندما تصرخ، دخلت بيتنا كبديل لأمنا التي رحلت -وبئس البديل- في البداية رأينا فيها وجه القمر الصافي.. ظننا أن أمنا عادت وفرحنا وفرح والدنا.. للأسف كنا جميعاً مخدوعين..
بعدها ظهر الوجه الآخر، الوجه القبيح، تغيرت السماحة والرقة والحب المصطنع وحلاوة اللسان وحلت محله الصورة الحقيقية لزوجة الأب المتسلطة الكارهة، صُدمنا وصُدمتْ قلوبنا الخضراء الصغيرة وعصفت بنا رياح جبروتها العاتية، وألقت بنا في خضم بحور متلاطمة الأمواج، لا أول لها ولا آخر.
كان تعاملها معنا أمام والدنا والناس ينابيع من الحب النقي، وأنهاراً من العسل المصفى "خداع"، أما الواقع فسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجد شيئاً.
ذقنا من فنون العذاب أنواعاً، وبالرغم من ذلك كانت هي أكثر المتضررين في النهاية -والعبرة بالنهاية- مارستْ معي كافة أشكال التعذيب، ولم يسلم أشقائي الصغار أخي(..) تنهال عليه بالضرب لأتفه الأسباب، وأخي (..) ساقه كُسرت ولا يزال يعاني منها هي من دفعه بشدة فسقط، ذنبه أنه تأخر في إحضار الخبز.
لم نستطع إخبار أبي حينها -سقط وهو يلعب الكرة وكفى- هذا الدرس الذي فرضتْ علينا حفظه عن ظهر قلب وتسميعه لأبي ولغيره.
وكم بكيت على شقيقي، بكيت كثيراً، كنت أموت من الخوف عندما تصرخ، ولم تكن تصرخ في حضرة أبي، كانت تبتسم في وجه كل واحد منا. ممثلة بارعة.
الطفل الأول من زوجة أبي، يا الله كيف استقبله أبي!! كأنه الفرحة الأولى في حياته كأب.
طلبت مني غرضاً معيناً وأحضرت غيره خطأ، فكان الرد صفعة قوية لم استطع بعدها الصمود، فقدت الوعي، ووقعت على سرير الطفل، فأخذ يصرخ وأقبل أبي على صراخه.
طار صواب الوالد وأوسعني ضرباً دون رحمة، وقامت الأم البديل تدفعه عني، وبكل حب تحتضنني، والدي سرَّه الموقف، وأكبر فيها هذا العطف، وبلغتْ في نظره ذروة الكمال في الأمومة، أما أنا فلم أصدق لأني أعرفها جيداً، وفهمت أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، وكان ذلك بالفعل.. غادر الوالد وهبت العاصفة.
ويمضي الزمان، ويزداد عدد الأسرة، ويكثر الأبناء، وتقسّم الظالمة الأسرة إلى طبقتين، طبقة الأسياد وطبقة العبيد، ونحن بالطبع طبقة العبيد، تفرقة عنصرية في كل شيء... الخ.
وجاء يومُ الانتقام..
يوم كبر الحقد في قلبي والكراهية للسادة، وبدأ يتفجر بالانتقام.. هي من غرس الحقد وهي من سيحصده، مصابها جلل عندما تعلم من كان الضحية!!.
وبدأت أنتقم...
تحضر أشهى أنواع الأطعمة لأطفالها، تميزهم عنا في كل شيء، يأكلون الأفضل ونأكل الباقي، سقيتها من نفس الكأس الذي سقتنا منه، لكن في شخص أطفالها، فلو شربته هي لكان أهون عليها.
أضربهم بقسوة.. نأكل نحن الذي كان محرماً علينا كعبيد ويأكلون الباقي...
اعترف، وأنا أسبح في بحور الندم.. أطلب الغفران.. ليس منها، ولكن من الله ثم من هؤلاء الأبرياء.
كانت تترك أطفالها تحت رعايتي وتذهب، وتترك لي جميع أعمال المنزل، تتناسى وضعي كطالبة لديها واجبات وعليها اختبارات.
تلك الساعات التي كانت تقضيها خارج المنزل، كانت عذاباً وانتقاماً وعقاباً، فلم أرحم بكاء الصغير وتضرع الكبير كنت أطبق تربيتها، جعلتهم يموتون رعباً مني فلا يشتكون.
سيدتي.. تحرر العبيد على الأقل في نظر أنفسهم، فلم يعودوا عبيدا بل سادة يا ساده!! لكن بلا ضمير. عنف وعنف مضاد، فليغفر الله للجميع.