يغيظني جداً ذاك البخل الشديد الذي تتصف به إدارات الشركات التجارية الكبرى، التي تتكئ على المستهلكين، وتربح من اقبالهم على منتجاتها ملايين تتراص فوق بعضها بعضاً، وتصرف الملايين أيضاً لاغرائهم بالاعلانات الورقية والمصورة والصوتية، فيشكلون حصاراً إعلانياً قوياً، يستهدف الناس لأنه يضمن جذبهم لمزيد من العمليات الشرائية، وبالمقابل يفتقدون قوة الحضور الاجتماعي الظاهر، فلا شأن لي هنا بصدقاتهم السرية -إن وجدت- أو زكواتهم المعلنة، والتي تصب في خزائن الدولة. أشير هنا إلى تفاعل اجتماعي قوي وقريب من المستهلك ليفيده بأمور تستحق أن يشار إليها بالبنان، وهي -أيضاً- في النهاية تكون ذات صبغة إعلانية قوية ربما تتفوق فيه على الإعلانات المتكررة، والتي لا تخلو من تفاهات كثيرة تقلل من قيمة المنتج والشركة بالتالي.خرجت من عباءة المجتمع مبادرات خيرية كثيرة ومؤقتة، ومع هذا لم نجد من تلك الشركات البخيلة من يستغلها لصالحهم، فيشاركون بها أو يأخذون زمام المبادرة بأمور أخرى جميلة انسانياً ماذا يعني أن تكون شركة اتصالات كبرى ترافق الناس في كل مكان لتشغيل هواتفهم، وتأكيد تواصلهم، وتضبيط مواعيدهم، وكتابة أفكارهم وأشعارهم، وتبيع عليهم الدقائق والثواني، وتملأ الشوارع والشاشات والصحف والهواتف بالإعلانات الباهظة الثمن، ومع هذا لا يفكر من يديرونها بأساليب جذب أكثر تودداً وإنسانياً، فتقترب من عملائها ولو مرة في السنة ضمن نشاطاتها الإعلانية بان تقدم لهم ما يفيدهم، ويكون بلسماً وشفاء لهم من متاعب كثيرة تغيب عنهم المبادرات الخيرية المميزة والتي تفيدهم وتفيد غيرهم. هؤلاء عندما يفكرون بذلك يقدمونه بطريقة مزرية عديمة الفائدة لغيرهم ومخزية لهم، لأنها لا تناسب مكانتهم ولا قدراتهم فيستصغرون ذلك كله عندما يطرحون مسابقة ما وتكون الجائزة بطاقة شحن ثمنها مائة ريال!! فمن ذاك المتذاكي الذي اقترح هذا الاقتراح الضيق السيئ والمحرج لهم قبل غيرهم.
خرجت من عباءة المجتمع مبادرات خيرية كثيرة ومؤقتة، ومع هذا لم نجد من تلك الشركات البخيلة من يستغلها لصالحهم، فيشاركون بها أو يأخذون زمام المبادرة بأمور أخرى جميلة انسانياً، حين يقدمون ما فيه فائدة ما لفئة ما. فأين هم من إعانات ملابس الشتاء للعمال، وأين هم من وجبات بسيطة هي بالنسبة لبعض الناس وليمة رائعة تقدم لهم بطريقة مناسبة في مكان وزمن مناسبين؟.
ومثلهم رأيت شركة ألبان كبرى لا تخلو أي مائدة للأغنياء والفقراء من منتجاتها، ومع هذا يقدمون جائزة بخسة لا تزيد عن جهاز هاتفي!! وبالمقابل أرى شركات مماثلة في دول بعيدة وغير مسلمة تقدم البيوت والأثاث والأجهزة وكثيرا من المفاجآت التي تفيد الناس وتحقق لهم جزءا يسيراً من متطلباتهم، وعندما أقارن سعر صفحة إعلانية واحدة يدفعون ثمنها برحابة صدر بسعر عشرات المكيفات التي من الممكن أن يستفيد منها عشرات المحتاجين أثناء حملة سابقة تهدف إلى مساعدة من لا يستطيع دفع ثمن تلك الأجهزة. للأسف دائماً يغيبون عن دروب الخير، ويتكثف وجودهم حين يتعلق الأمر بالبهرجة والضعف. ضعف الأفكار وضعف التوجهات وضعف الإمكانية على حضور اجتماعي قوي ومميز، ولن تخسر إن هي فعلت ذلك، بل ستتواصل مكاسبها، وتزيد أرباحها وليبارك لها الله، ولكن عليها أن تحرص على احترام عملائها، فمتى نرى بعض شركاتنا تحقق لها حضوراً اجتماعياً تحترم فيه ذاتها، وتحترم عملاءها وتمتنع عن الظهور بظهر الفرح بهدايا زهيدة يقدمونها بجرأة.


