تناولتُ، من قبل، وتحت عنوان (في امتناع أن يكون 1+1=1) موضوع العلاقة المعقدة بين (الأنا والآخر) حيث تصبح الذات مركزا وبقية الذوات الأخرى مجرَّات تابعة تدور حولها، وبتمثل ذلك في ميل المرء إلى «إذابة» أو محو خصوصية الآخر، وإلغاء عالمه الداخلي. بمعنى أن يصبح الآخر نسخة منا. وبسبب تلك الرغبة في إفقاد الآخر خصوصيته، وتحويله إلى (أنا)، تبدو حريةُ الآخر شيئا لا يسر، كما يعبر أحد الفلاسفة. ولو تحققت تلك الرغبة فرضاً، وهي غير متحققة، وغير مرغوب في تحققها، لانتفى أي شكل من أشكال الاختلاف، ومن ثم الخلاف. فليس هنالك من يختلف مع ذاته فيتشاجر معها، ما لم يكن فيلسوفا. قد يكون الحب دافع تلك الرغبة في «تذويب» الآخر وإفقاده خصوصيته، لكن مهما كانت الدوافع فإنها تتعارض مع حرية الآخر في الاختيار، واتخاذ مواقف مستقلة. كما تتعارض على المستوى الاجتماعي مع مبدأ التعايش، وقد تكون سببا في صراعات دينية وعرقية شعارها «أنا.. أو الآخر»، كما أنها لا تساعد على تأسيس علاقات منفتحة خارج ذلك المناخ الثقافي أو الاجتماعي الضيق. وهي، فوق ذلك، منافية لجمال وكمال الوجود القائم على التنوع والتعدد والاختلاف. في تراثنا الثقافي حكاية يعرفها الجميع، هي حكاية «شنّ وطبقة»، وقد عُدّت حكايتهما نموذجا للتناغم والانسجام بين اثنين، نشأ عنها المثل القائل»وافقَ شنٌّ طبقة». لكن التقارب بين بطلي الحكاية كان ثقافيا، ولم تذهب الحكاية إلى أبعد من ذلك، وذلك لامتناع أن يكون (1+1=1). الحب، كذلك، لا يزدهر في ظل محاولة متبادلة للسيطرة والامتلاك والتذويب. فإذا سعى الشريكان إلى تحقيق تلك المطابقة، تحولت الرغبة في الاتفاق والانسجام والتماثل، وبالرغم من حسن النوايا، إلى «نفي متبادل» أو محاولة لإفقاد الآخر حريته. ولو قبل أحدهما الآخر كما هو، أو قبلا بمبدأ «التسوية» حيث لا يوجد غالب أو مغلوب، أو اختارا سبيل «التكامل» لا «التفاضل» لوفرا كثيرا من أقراص علاج الصداع والضغط. ولعل أفضل وصفة لتحقيق تلك التسوية، إذا ما تعذر تحقيق تناغم ما على طريقة «شنّ وطبقة» هو العمل بعبارة جبران خليل جبران القائلة: «لا يستطيع صوتُ الحياة التي فيَّ أن يصل إلى أذن الحياة التي فيك، لكن فلنتكلم، على كل حال، لئلا نشعر بالوحشة»! وتبقى الحرية؛ حرية التفكير والاختيار والتصرف، هي بيت القصيد، وحين يتنازل المرء عن حريته للآخر فإنه يتنازل بالتالي عن وجوده وإنسانيته. وقد عبر الشاعر جاك بريفير عن هذا المعنى في قصيدة جميلة له بعنوان: «لكِ أنتِ يا حبي» يقول فيها: «ذهبتُ إلى سوق الطيور، وابتعت عصافير لك ِ أنتِ يا حبي.. ذهبتُ إلى سوق الورود، وابتعتُ ورودا لكِ أنتِ يا حبي. ذهبتُ إلى سوق الخردة وابتعتُ سلاسل؛ سلاسل ثقيلة لكِ أنتِ يا حبي. ثم ذهبت إلى سوق العبيد وبحثتُ عنكِ، ولكني لم أجدك يا حبي»!. وانطلاقا من كلمات بريفير الموغلة في بساطتها ووضوحها فإن الحب لا يزدهر، والعصافير لا تغرد، والورود لا تبث شذاها، في وجود السلاسل والأغلال. لذلك لا تختلف الرغبة في أن يكون (1+1=1) عن الذهاب إلى سوق الخردة لابتياع سلاسل ثقيلة كي نقيد بها من نحب!


