DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

سفينة الحمقى

سفينة الحمقى

سفينة الحمقى
سفينة الحمقى
لماذا ألَّف ابن الجوزي كتابَ الحمقى والمغفلين؟ يذكر المؤلف ثلاثةَ أسباب دفعته إلى تأليف ذلك الكتاب. السبب الأول، ليشكر العاقلُ ربَّه على نعمة العقل. أما السبب الثاني فإن ذِكْرَ الحمقى والمغفلين يحثُّ المرءَ على اتّقاء أسباب الحمق والغفلة، إذا لم يكن ذلك سجية متأصلة في النفس لا علاج لها. وأما السبب الثالث فمن باب التندّرِ والترويح عن النفس.

فالنفس، كما يقول ابن الجوزي «قد تملّ من الدؤوب في الجد، وترتاح إلى بعض المباح من اللهو». غير أن تأثير «حمقى» ابن الجوزي محدود، لذلك فهم ألطف وأظرف من حمقى هذه الأيام الذين يوزعون «حصاد» حمقهم على الآخرين.  يصف أحد التعريفات اللاذعة الأحمق بأنه شخص نسي أن يدفع فاتورة دماغه. وفي تعريف آخر فإن الأحمق شخص استطاع أن يثبت أن نظرية «النشوء والارتقاء» تسير في الاتجاه المعاكس.

ما علينا سوى أن نتلفت حولنا لنشهدَ ماذا تصنع الحماقة بأهلها. لكن أسوأ «ثقوب الحماقة» هو ما يصيب الذاكرة. وبسبب تلك الثقوب، يعيد الأحمق فعل الشيء نفسه، مرارا وتكرارا، متوقّعاً نتائج مختلفة. وهي الثقوب نفسها التي تحوْل دون «اتقاء أسباب الحمق والغفلة»

يشير ميشيل فوكو في كتابه (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي) إلى بعض الأعمال الروائية التي صدرت، آنذاك، تحت عنوان (سفينة الحمقى) وهي سفينة تنقل حمولتها من الجنون، وقد أضاع ركابها بوصلة العقل، فهم في إبحار دائم نحو المجهول. وفي عالم اليوم مجتمعات تتجه نحو المجهول بعد أن أضاعت البوصلة، أو ساهمت بسوء التفكير والتدبير في غرق السفينة. وبين الحمق والغوغائية قاسم مشترك هو سوء التفكير، كما في الحكاية التالية: يحكي أحد المجددين الانجليز (القرن السابع عشر الميلادي) عن تعرضه للضرب بالأيدي والعصي والسياط من قِبَل مجموعة من الغوغاء. لم يكن الرجل لصا أو مخربا أو قاتلا. كل جريمته أن آراءه كانت أكثر تقدما وانفتاحا من آراء الذين اعتدوا عليه، لكن النكتة ليست هنا. النكتة حين تتصور أنه في ذلك اليوم الذي تلقى فيه الرجل تلك العلقة الساخنة، مرَّ عابر سبيل فترجل عن جواده، ليشارك في تلك الحفلة، فانهال على الرجل ضربا وركلا بحماسة بالغة، دون أن يسأل عن  الجرم الذي ارتكبه الرجل. بقي في هذه المساحة متسع لمثال آخر على الحمق تعبر عنه هذه الحكاية: ذهب رجل وابنه إلى البحر ليصطادا السمك. وحين أصبحا في وسط البحر، لاحظ الأبُ ابنَه وهو يحاول ثقب القارب. وعندما سأل الأب ابنه عما يصنع، قال الابن: لقد تجمَّع بعض الماء في القارب، فأردت أن أصنع ثقبا لتصريفه!  وإذا كان لهذه الحكاية من مغزى، فهو أن بعض الحماقات تؤدي إلى الغرق، سواء كنا في عرض البحر أم على اليابسة. وما علينا سوى أن نتلفت حولنا لنشهدَ ماذا تصنع الحماقة بأهلها. لكن أسوأ «ثقوب الحماقة» هو ما يصيب الذاكرة. وبسبب تلك الثقوب، يعيد الأحمق فعل الشيء نفسه، مرارا وتكرارا، متوقّعاً نتائج مختلفة. وهي الثقوب نفسها التي تحوْل دون «اتقاء أسباب الحمق والغفلة» أي السبب الثاني الذي دفع ابن الجوزي إلى تأليف كتابه، ولذلك قيل: «مكتوب على الذين لا يتذكرون الماضي، أن يجربوه مرة أخرى»! وما يحدث هذه الأيام هو عودة لتجارب الماضي المريرة. ومعنى ذلك أنه لا جدوى من أية تجربة سابقة حين تكون الذاكرة مثقوبة. يقال: «ابكِ العاقلَ يوم يموت، وابكِ الأحمق حتى يموت»! أي أن حياة الأحمق وموته سواء، ولذلك قيل: «إنما الميْت ميّتُ الأحياءِ»!

المزيد من المقالات