DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

يا سكر ..!

يا سكر ..!

يا سكر ..!
يا سكر ..!
تعارف الناس في كثير من المناطق العربية على الإعلاء من شأن الحلويات بشكل عام، ومن مادة السكر بشكل خاص، التي تدخل في صناعة الحلويات، وكذلك في إعداد بعض المشروبات الاجتماعية المتداولة كالقهوة والشاي. فما الأسباب يا ترى، التي جعلت من ذلك المنتج شيئاً ذا قيمة عالية، وليست المنتجات الرئيسة الأخرى، كالملح على سبيل المثال؟

فقد كان الملح في فترة الامبراطورية الرومانية أساسياً في حياة الناس ومتطلباتهم، إلى الدرجة التي جعلت جيوش الامبراطورية تدفع لجنودها رواتبهم بكميات من الملح، بل وصل إلى أن يحتل ما يمكن تسميته بالعملة المتداولة. وأصبح لاحقاً ما يتقاضاه الجندي يقوّم بالوحدات الملحية (sold)؛ وهو المصطلح الذي أصبح يطلق على أجر الجندي (أو راتبه)، ثم لاحقاً صار الاسم بصيغة اسم الفاعل  يطلق (soldier) على الجندي نفسه. لكن الناس في البيئة العربية تركوا الملح، ولم يصفوا به سوى بعض الإناث في حالة عدم اتصافها بالجمال؛ ليقال بأنها «مملوحة» أو: «فيها ملح وقبلة». لكن العبارات التي احتلتها كلمة السكر ومشتقاتها وأوصافها المرتبطة بالشكل، أو القبول والجاذبية، هي التي أصبحت دالة على الجمال مطلقاً، وعلى درجات الاستحسان؛ بحسب ما يرد مع أي من هذه الكلمات من صفات تؤكد حصولها على الدرجة الموازية من قوة الصفة.

هل يدرك أصحاب هذه الثقافة، والمستخدمون لتلك التشبيهات، أن السكر مادة من الكربون، مثل الفحم والبترول، وأنها مادة ضارة جداً للصحة؟ وهل ينطبق الضرر أيضاً على تلك الموصوفات بالحلاوة والسكر؟ فكثير من الأطباء في العصر الحديث ينبهون إلى ضرر السكر (خاصة الأبيض المكرر)؛ فهو لأنه مكرر (أي منقى) فإن الجسم لا يمكنه أن يهضمه إلا بإكمال مواده التي أخذت منه أثناء التكرير.

وقد ظهر ذلك في العبارات الاصطلاحية، التي تربط مشتقات السكر بكل ما هو إيجابي، ومبهج في منظره، أو مفيد في مخبره. كما انتقلت التعبيرات الاصطلاحية إلى استخدام مرادفاته، مثل: الحلو، أو الحلا. بل إن هذا الوصف أصبح يطلق على الأشخاص، أو أفعالهم، مثل: «هذا حلو»، أو: «هذه حلوة»؛ أو «خفة دمه حلوة». وفي كثير من المجتمعات العربية الحديثة أصبح مصطلح «حلو» تعبيراً عن استحسان الفعل، أو القبول بما اتفق عليه، أو حتى فهم ما مر من الكلام بوصفه فاصلاً في المحادثة. كما ظهر أيضاً في عبارات المجاملة، أو الخطاب في وسائل التواصل الاجتماعي بين الشباب في العصر الحاضر، مثل استفتاح المحادثات: «صباح الخير للحلوين»! أو عبارات الوالدين مع أولادهم في تحية الصباح. وفي الناحية الأخرى، تغنى العرب كثيراً بجمال القمر، خاصة عند اكتماله، وشبهوا حسن الوجوه بالقمر، وخدود البنات وصفحة أعناقهن كذلك ببياض القمر ولمعانه في الليل. وفي بعض موارد التراث والقصص المحكية أو الأشعار الشعبية نجد غالباً مفردة قمر أربعطعش في وصف البنت الفائقة الجمال؛ حتى إنهم استعاضوا عن ذكر قمر أربعطعش بوصف البنت نفسها «بأم أربعطعش». وهناك من يعيد هذا التعبير الشعبي إلى عمر الفتاة؛ إذ كانت من تبلغ أربع عشرة سنة هي مطمع الرجال، وفي قمة نضج الشباب والجاذبية الجنسية والجاهزية للزواج. لكن هل يدرك أصحاب هذه الثقافة، والمستخدمون لتلك التشبيهات، أن السكر مادة من الكربون، مثل الفحم والبترول، وأنها مادة ضارة جداً للصحة؟ وهل ينطبق الضرر أيضاً على تلك الموصوفات بالحلاوة والسكر؟ فكثير من الأطباء في العصر الحديث ينبهون إلى ضرر السكر (خاصة الأبيض المكرر)؛ فهو لأنه مكرر (أي منقى) فإن الجسم لا يمكنه أن يهضمه إلا بإكمال مواده التي أخذت منه أثناء التكرير. وبالطبع لن يستطيع الجسم الحصول على تلك المعادن إلا من مخزون الجسم نفسه؛ وهذا يعني بأن هضمه يعني فقدان الجسم لبعض العناصر المعدنية التي يحتاجها لكي تتم عملية الهضم المعقدة تلك. فهل الفتيات الجميلات مثل هذا السكر الأبيض المعقد الهضم؟ أما العنصر الآخر المستخدم في قياس الجمال لدى العرب، وهو «القمر»، فالعرب القدامى لم يعرفوا بالتأكيد مم يتكون هذا الجرم السماوي، ولكنهم في كل الأحوال يعتقدون أنه كوكب مضيء بنفسه، وليس أحجاراً وتراباً مثل الأرض تماماً. وبعد أن اكتشف العلم الحديث أن القمر ليس بذلك المصدر الذي ينبعث منه الضوء في الليل، فيضيء طريق المسافرين المضطرين إلى إكمال طريقهم ليلاً هرباً من شمس النهار الحارقة في شبه الجزيرة العربية، أو يضيء ليل العاشقين المنزوين في دعص (وهي الكلمة القديمة لطعس الرمل)، كما يروي بعض شعرائهم؛ فهل سيبقى المحدثون يتغنون بجمال القمر، ويشبهون محبوباتهم بقمر أربعطعش، أم إن مشبهاً به آخر سيرد من عالم التقنية الحديثة، مثل: الآي فون في انسيابيتها، أو البورش في رشاقتها؟!

المزيد من المقالات