*كان آخر تلك الأسئلة السؤال التالي: «هل سبق أن أقدمتَ على عمل وكانت النتيجة «تسلُّلْ» بلغة كرة القدم؟» قلتُ: قد يكون «التسلل» بلغة كرة القدم مرادفاً «للسطو» على الأفكار في مجال الفكر والأدب. وللإجابة عن ذلك السؤال استشهدت ببيت شعر لطرفة بن العبد مع شيء من التصرف، أو التحريف إن شئت، يقول: «ولا أغِيْرُ على (الأفكارِ) أسرقُها.. عنها غَنِيْتُ وشرُّ الناس من سرقا»! وكان طرفة يشير في هذا البيت إلى الأشعار وليس الأفكار. *أعود إلى عنوان هذا المقال (سرقتُ لك)، فلتلك العبارة إيقاعٌ يذكرنا بما كان ينشر، قبل أعوام، تحت عنوان (قرأتُ لك). وكنا في تلك الأيام بحاجة إلى من يقرأ لنا، عندما لم يكن الكتاب متوفرًا، وكان اقتناء بعض الكتب، آنذاك، من المحظورات. وقد كتبتُ منذ زمن بعيد تحت العنوان نفسه موضوعا يتناول السرقة. وكانت الأجواء، آنذاك، مشبعة بحديث عن سرقة ثقافية، حيث (نقل) أحد محرري جريدة محلية لقاءً مطولاً نشره الأستاذ محمد عبد القادر الفقي مع شاعر اسكتلندي اسمه دونالد سوندرز، وقد تحوَّل الشاعر الاسكتلندي، على يدي المحرر، إلى شاعرة، واستبدِلتْ صورته بصورة امرأة. أما الحديث فقد نقل بقضه وقضيضه دون زيادة أو نقصان. اليوم والأجواء الثقافية مشبعة بالأحاديث نفسها، أعود لأستخدم العنوان نفسه.
في تراثنا النقدي العربي يُكَنّون عن توارد الخواطر، وما ينتج عنه من تماثل للأقوال غير مقصود، بـ»وقع الحافر على الحافر»، لكنّ السرقة شيء مختلف. فهي كما يسميها ابن الفارض متهكّما: «وقع الحافر على الحافر من الأول إلى الآخر»
*قرأت، آنذاك، خبرًا عن دار للنشر تعد لإصدار موسوعة ضخمة بالسرقات الأدبية والفكرية. ولعل تلك الموسوعة قد صدرت منذ زمن بعيد، وربما كان من بين أهدافها أن تحفظ للأدباء والكتاب حق الملكية الفكرية والإبداعية، غير أن أحد الظرفاء علق على ذلك قائلا: إن مثل ذلك المشروع قد يشجع بعض طلاب الشهرة على السرقة كي تدرج أسماؤهم في الموسوعة. وذلك افتراض وارد، فالغاية عند بعضهم تبرر الوسيلة. اليوم، وبقدر ما جعلت التقنية الحديثة التعدي على الملكية الفكرية سهلا، فقد سهلت في الوقت ذاته اكتشاف سارقي الأفكار، وقد صُمّمت برامج خاصة لذلك الغرض. لكن (جون بري بارلو) يرى أنه لا يوجد شيء اسمه «سرقة أفكار»، وإنما «سرقة صياغة»، أي سرقة الإناء وليس المحتوى. فهل يعني هذا أنه لا يوجد شيء اسمه (ملكية فكرية) وإنما (ملكية صياغة)؟ هذا هو بالضبط ما أراد أن يصل إليه بارلو. فالصياغة، أو الإناء، هو المشمول بالحماية، وليس الأفكار، أو المحتوى. ذلك أن المعاني ملقاة على قارعة الطريق حسب تعبير أبو عثمان الجاحظ. *في تراثنا النقدي العربي يُكَنّون عن توارد الخواطر، وما ينتج عنه من تماثل للأقوال غير مقصود، بـ»وقع الحافر على الحافر»، لكن السرقة شيء مختلف. فهي كما يسميها ابن الفارض متهكّما: «وقع الحافر على الحافر من الأول إلى الآخر»، وأسميها: وقع الجمل على الجمل.. بما حمل! وإذا كنتَ ممن يضع اعتبارًا للنزاهة أو الأمانة الأدبية فسوف تتساءل: كيف يستطيع المختلس إلغاء علامات التنصيص أو أقواسها، والسطو على جهد غيره ثم يواجه العالم دون أن يرفّ له جفن؟!


