هي البداية لكل بداية تقارب فكر وتجاذب روح وتبادل عبارات وتواصل دائم تنشأ منه صداقة نسميها (صداقة حميمة) والأصح (صداقة مميتة) وليست حميمة.. لا نقيس فيها كل الأمور ونتغافل فيها عن كل المساوئ ونتقبل فيها كل ما لا يمكن أن نقبله من أي شخص آخر ولم يطرأ على العقل أبداً أنه سيقبلها من أي كان.. لكن طالما أنها صداقة دائمة فسنقبل كل شيء حتى الكذب والخداع.. سنفعل لها كل شيء وسنتحمل لأجلها كل أمر وندافع عن أخطائها في كل مكان.. سنكون البئر التي تُلقى فيها كل الأمور وتخفى فيها كل الحقائق حتى نستطيع أن نسميها صداقه حميمة.. فالكل بكراً على ما هو في معنى الصداقة يكون.
** كنت أحسبها صداقة وعلى سطح الأرض تُبنى.. حتى رأيتُ النجم يقرُب فعلمت أن الأمر أعلى**
وكان ذلك.. وأصبحنا جسداً وقلباً وفكراً واحداً..لم يكن للقريب منا حظ ولا للبعيد منا شأن.. جميل كان كل لقاء، ورائعة كانت كل عبارة منطوقة، وفي كل مكان تطأه أرجلنا وتعلو به ضحكاتنا كانت هناك ذكرى نُخلدها.. بنينا أحلام شبابنا ورأينا كهولتنا.. معاً.
لم نعِ أنه لا بد من النظر للبعيد.. لم نعِ أن التضحيات قد تُنسى والهدايا تبلى ويبقى صدق المشاعر مهما تلاطمته أمواج الحياة ومصاعبها.. ويبقى دفء الحديث وصدق الوعود.. كل ذلك ونحن في علياء الحياة نلامس النجم بعيدا عن الواقع..
**بنيت كل أمر بصدق ووضوح في اعتقادك.. ولم ترَ أن البناء يُهدم في غيابك**
عدت إلى الأرض لتقف على صلابتها مرة ثانية وتتحسس تموجاتها وتبحث عن نقاء رياحها وصفاء هوائها لتستطيع التنفس بعد التوقف وتفكر بعد إعطال.. ولكنك وجدت كل شيء ملوثا وليس كما تركته جميلاً... نقياً... صافيا.
حاولت أن تدرك الأمر ولكن قوة الاصطدام كانت كفيلة بإخلال جزء من جسدك وكل ذرة من فكرك لأنك تنظر بعينك من كنت في عليائه..
يقف متفرجاً.. يشاهد انهيارك, صامتاً.. يرْقب ردود أفعالك, مختاراً طريقاً غيرك وبعبارة تُجمل هذا كله.. يخونك..
دار شريط الصداقة في ذهنك واسترجعت أحداث الحياة في لحظة توقف قلبك وعقلك وانحباس أفكارك.. استجمعت شتات نفسك وانحدرت دمعة من عينك حفرت أخدوداً على خدك كانت كفيلة بإطلاق صرخة من صدرك تًدرك فيها أنك توسطت مثلث الرعب..
احتسبتها صداقة... فكنت تضع النقاط بثبات فجعلتها محبة وسموت بوفائك وصدقك لترى من ميّزته يخونك ويُسقطك من علياء بنائك غير عابئ بآلامك.. فرسمت مثلثا طوقت به نفسك ومنعت بصيص الضوء وقليل الهواء يعبر لك من خلاله.. فوقعت..
وهأنت ذا تعود لتقف مرة ثانية وتبتسم لبداية أخرى.. ولكن يا ترى هل ستكون في داخل المثلث أم خارجه؟.. هل ستغلبك طبيعتك المحبة مرة أخرى أم ستغلبها؟.. لا أحد غيرك يعلم.. فأنت الآن لم تعد بكرا في جوانب مثلث الرعب.. ولكن لا تكن أنت من يبنيه لغيرك..