تعودنا دائما انتظار أعمال الروائيين الكبار أو الشعراء الكبار أو المسرحيين أو السينمائيين والموسيقيين الكبار لكننا لم نعد نفعل الآن! يبدو أن زمن الانتظارات ولّى ليحلّ محلّه زمن الدهشة المؤقتة الراحلة سريعا لترحل معها ذكريات الزمن الجميل الذي نفد زيته وبهت نوره بسبب غياب العمل الجاد وعدم الصبر عليه بكل ما يحمل من مفارقات وتجاوزات للواقع وللنسق ليرسم لنا وعيا مختلفا لعالمنا الثقافي المعاش.
هكذا، وبحماس شديد، كنت دوما أتذكر تلك الأيام التي نفرح بها باقتناء مجموعة لدرويش أو رواية لحنا مينا أو نحضر عرضا سينمائيا ليوسف شاهين أو نلتقط مقالا أو أوراقا مبعثرة مدهشة لغادة السمان أو يقع بين أيدينا ألبوما موسيقيا أنيقا لتشايكوفسكي (بحيرة البجع مثلا). نتحسس كل هذا الفرح لنوسّع ونعمّق مفاهيمنا تجاه الحياة والعالم، ولنفتّح أمامنا حقولا ثقافية وفنية لم تكن لتوجد من غيرهم. كان للكتاب والمسرح والسينما والموسيقى والرسم فرح شبيه بحلوى العيد، ودهشة لا تشبه شيئا سوى نفسها.
الآن نشعر بالغربة الكبيرة، ندخل معارض الكتاب ولا ندري عمَ نبحث أو ماذا نريد أو كيف نختار؟ لنجعل القدر يقودنا نحو كتابنا الذي سنبتاعه أو فيلمنا السينمائي الذي سنحضره بعد قليل دون تخطيط أو هدف! إنها ارتجالات اللحظة الكونية نحو تكريم كبار رحلوا عنّا لكبار مازالوا يسكنون بيننا في القلب.
حين تغيب الدهشة، حسب شوبنهاور، تفقد الأشياء قيمتها وترتكن لنفسها متحولة لشيء عادي وروتيني رتيب وملل، هكذا هو الواقع عندما لا نقيّمه ونعمل عليه بصدق أثناء إنجازنا الفني أو الأدبي.
لا أريد بذلك أن أكون متشائمة أو عدمية فمازال ثمة أصوات كبيرة تثري المشهد الفني والثقافي بالكثير الكثير، لكنها على ما يبدو ليست كافية، فالصوت الناشز على المسرح الثقافي أصبح أعلى من النوتة المنتظمة، فضاع الصوت وبقي الصدى وغابت الصورة ليبقى الظل مواربا في مكانه.
[email protected]