«تبدو كل كتابة إبداعية ملاذا لما يوشك أن يندثر من حياتنا، أو طريقا للكشف عمّا لا يتضح أمامنا إلا بها» هكذا ابتدأ علي الدميني فيما يشبه المقدمة قراءته للمجموعة الكاملة للراحل الكبير عبد العزيز المشري.
جاءت قراءة الدميني لتوثق الصلة الكبيرة بين البسيط/ الهامش/ غير الملتفت له، وبين المعقّد/المتن/ المتصدر للمشهد في محاولة منه للتأكيد على قيمة البسيط والتلقائي والعادي في اشتغالات المشري الذي يتوسل ويراهن دوما على قيمة التلقائية والبساطة في النص، وأن الثمة الأساسية لديه إنما هي باستحضار هذا المناخ المسكوت عنه والمغمّى من قبل الجيل الجديد الذي تلبّس وعيه طرقا لا تمتّ للحياة بكل بساطتها بصلة تذكر.
في فرنسا وفي محاولة لصهر البون الشاسع بين المتلقي البسيط وبين برجوازية المثقف بكل رفعته الاجتماعية، نزلوا بثقلهم الثقافي والفني للشوارع والمقاهي والساحات العامة ليقدّموا أماسيهم وورش عملهم ومحاضراتهم وفنونهم في وسط الناس وبينهم بدون عزلة المايكروفونات وسلطة الكراسي الفارهة النائية بنفسها عن القارئ البسيط الذي لا يعرف خارطة الطريق للثقافة أو الاشتغالات الفنية.
هذه المحاولة هي بوصلة جديدة رسمت طريقها وسجّلت حضورها في التجربة الثقافية بأوربا، الأمر الذي جعل بعض الدول الشقيقة تتمثل للتجربة وتحاول سحبها ضمن فعالياتها الثقافية السنوية كمعارض الكتاب أو الاحتفالات الوطنية التي عبرها من الممكن الانسكاب بالفعل الثقافي على الناس بتلقائية ومحبة وبشكل أنيق ومدهش.
لم يكن المشري بتجربته الطويلة سوى هذا المشروع الأدبي الإنساني المندلق على الناس بفرح، منذ تشكل وعي المدينة في قلبه بعدما شهد كل التحولات الكبيرة التي حوّلت قريته/ قلبه لغول صناعي وإسفلتي مد سطوته للعزلة بينه وبين الناس.
[email protected]