ربما يشير البعض إلى أنه على الناقد ألّا يعكّر صفو المبدع بشكل يومي مزعج، فيوقفه أو يشوّش حضوره أو يحجّم من انطلاقته حين يعمل أدواته النقدية الحادة على طاولة المشرحة الثقافية والتي تحوّل المبدع لقطعة حديد مشتعلة بين سندان الناقد ومطرقة الرقيب، كما هي حكاية تشيكوف وغريغوري، هذه الأصوات بدت تعلو مطالبة بانحسار صوت الناقد أو محاولة تأطير فعله وتحجيم دائرة اشتغاله الثقافي، مما جعل الكثير يطبّل لمفهوم نقد النقد أو ما يسمى بمعايير نقد الناقد، والذهاب به نحو سلطة أكثر قوة وهيمنة منه.
للوهلة الأولى سنكون فرحين بتأسيس هذا الحقل الجديد إذ إنه سيكفينا مؤونة ثرثرة الناقد وثقل دمه وتدخله فيما لا يعنيه بشكل غير متخصص أحيانا، فنقّادنا -أصلحهم الله - حين يتقنون نقد فن من الفنون – الرواية مثلا - فهم علماء مجتهدون وبروفوسورات متخصصون في التاريخ والشعر والتشكيل ومذاهب الموسيقى والسياسة والاقتصاد وفن الطبخ أيضا، مستوعبين للأزمنة والأمكنة ومنسابين معها ولها. لم يعد أحد منهم يمتلك تخصصا نقديا محددا من الممكن أن يهب ما تبقى من عمره وعقله له دون سواه ليفيد ويستفيد.
نجد الناقد في الوسط الثقافي الأمريكي والأوروبي متخصصا بشكل دقيق في اشتغاله، ومن المعيب عندهم – مثلا- أن يُستضاف على هامش معرض تشكيلي - على سبيل المثال - ناقد أدبي! إنها صورة تجلب لهم هستيريا طويلة من الضحك أو تجعلهم على أقل تقدير مندهشين لما يحصل دون فهم لطبيعة الحدث الثقافي وتكوينه لدينا، فنحن العرب مثقفون شموليون نفهم في كل شيء، ولدينا القدرة على أن نفتي بكل شيء، الأمر ليس متعلقا بالناقد - فحسب - بل هي ظاهرة شعبية عربية متآلفة مع نسقنا وتكويننا الثقافي.
من هنا – ربما - سنفرح بتأسيس نقد للناقد ليفكر ألف مرة أين سيضع رجله قبل أن ينطق بكلمة، لكن أخشى أن تكون الطامة الكبيرة والقشة التي ستقصم ظهر البعير لو كان ناقد الناقد هذا سيحتاج لناقد فوقه يهذّب نهجه ويدلّه على الطريق السليم ! ويا كبير فوقك كبير! و«مش حنخلص»!
[email protected]