كتبتُ قبل بضع سنوات مقالا بعنوان (أرفق بعمرو)، وقد استوحيت العنوان من قول بشار بن برد: «أرفقْ بعمروٍ إذا حرَّكتَ نسبتَه/ فإنَّه عربيٌّ من قوارير».. وهي نسبة «قابلة للكسر» أو أنها من الهشاشة فلا تثبت أمام تدقيق أو تمحيص النسَّابين. وقد تناول المقال ذلك الضجيج المثار حول البحث عن الأرومة والأصول والأنساب والبطون والأفخاذ والتباهي بها. والاتكاء على الماضي للتعويض عن حالة إفلاس حاضرة.
كانت تلك الطنطنة، وما زالت، مشروع من لا مشروع له. حتى أبو الطيب المتنبي الذي أسس صرح مجده على عبقريته الشعرية فقال: «ما بقومي شرفتُ بل شرفوا بي وبنفسي فخرتُ لا بجدودي» سرعان ما تدارك قوله ذلك مضيفا. «وبهم فخرُ كلِّ من نطق الضادَ/ وعوذُ الجاني وغوثُ الطريدِ». يقول التوحيدي: «لو اقتصر المتنبي على ذلك البيت لكان من ألأم الناس نسبا». وأقول لو اكتفى المتنبي بذلك البيت لكان أكثر حداثة، ولخالف الثقافة السائدة آنذاك.
قلتُ: «الثقافة السائدة آنذاك».. فهل تجاوز أبناء هذا العصر تلك الثقافة؟ أم أنها ما زالت تعشش في الرؤوس، وتشكل السلوك الاجتماعي، وتحد من تحقيق أي تفاعل إيجابي؟ وهل يمكن تجاوزها دون إعادة النظر في النظام التربوي الذي يكرس تلك الطنطنة في عقول الناشئة بمضامين وأساليب وأشكال مختلفة؟ وهل يمكن تجاوزها دون نقد الذات التاريخية، وفتح باب الأسئلة على مصراعيه، بدلا من تلميع ما لا يمكن تلميعه، والبناء على ما لا يمكن البناء عليه؟ ألم تكن تلك الطنطنة عاملا من عوامل التشرذم والانقسام عبر العصور التاريخية المختلفة؟.
الإنسان بحاضره، وبما يعطي لمجتمعه أو للبشرية جمعاء، وهو ابن مشروعه الخاص. ماذا ينفع المرء إذا كان أجداده «بهم فخرُ كلِّ من نطق الضاد»، أو من ذوي الدماء الزرقاء وهو لا يعي كينونته، وإذا وعاها لم يستطع تجاوز تلك الكينونة نحو وجوده الفاعل. إن الوجود الفاعل لا يتحقق، كما يرى أحد الفلاسفة، إلا من خلال «فعل الإنسان وإرادته وخياره وحريته». وما جدوى عبارة أبي فراس الحمداني القائلة: «ونحن أناس لا توسط بيننا» إذا لم يدعمها عمل إبداعي (سلمي) منتج يحقق تلك (الصدارة) التي يشير لها الشاعر في عجز البيت. وضعت كلمة (سلمي) بين هلالين، للتأكيد على الجانب السلمي. ذلك أنه يوجد في أيامنا هذه من يريد نشر توجهاته وفرضها على غيره بمنطق القوة.
من الكتَّاب الكبار الذين جعلوا من (الأرومة) نكتةً مدوية الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين. عمل مارك توين في بداية حياته، موزعا للصحف، ثم كاتبا في بقالة، وصبي حدّاد، ومساعد كتبي، ثم عمل بصف الحروف لصحيفة (ميسوري كورير) قبل أن يصبح كاتبا لامعا ذائع الصيت. وقد تندر في أحد خطاباته بـ (صخرة بليموث) القريبة من شاطئ بليموث التي يعتقد أن المهاجرين الأوائل القادمين إلى العالم الجديد عام 1620م قد نقشوا عليها ذكرى وصولهم على السفينة (مايفلور). أصبحت تلك الصخرة، فيما بعد، رمزا للأصالة والمجد. وفي احتفال أقيم بمرور 261 عاما على نزول تلك الطلائع، قال توين: «علام تريدون الاحتفال بأسلافكم الذين جاءوا عام 1620؟ ألا تعرفون أنهم كانوا قوما عتاة.. غلاظ القلوب.. لقد كان جدي الأمريكي الأول أيها السادة هنديا».. وتصل النكتة ذروتها عندما يقترح مارك توين على المحتفلين أن يبيعوا (صخرة بليموث) في مزاد علني.
ويرى مؤلف سيرته (جيري ألان) أن توين قد وصف لمجتمعه الأمريكي دواء ناجعا ضد التباهي والطنطنة. وقد عبر توين عن تجاوزه لمفهوم الأعراق والعصبيات والحسب والنسب، وعن ميله إلى العالمية بتأكيد انتمائه إلى (آدم) أبِ البشر، واعتزازه بهذا النسب دون سواه. والحقيقة أن مارك توين وغيره من الكتاب والمفكرين والعلماء ورجال القانون الأوائل هم الذين شكلوا تاريخ القارة الجديدة، وأثروا الحياة بإنجازاتهم الفكرية والعلمية، ورسموا الطريق إلى المستقبل، وسيبقى تأثيرهم الفكري والعلمي على المدى البعيد.
[email protected]