في كل عام ننتظر بفارغ الصبر أن يحل علينا شهر رمضان بكل شوق ... ذلك أن العمرة فيه لها طعم آخر ولكننا للأسف نُواجه بجميع الأعذار الممكنة من الزحام وعدم إيجاد الوقت وتعذر الحجز وووو... حتى ينتهي ذلك الشهر الكريم ونحن مع الأعذار نعيش ...
وهكذا دواليك...فإن ربحنا سنة نخسر الأخرى وكل عزائنا أن الله لم يكتب لنا الذهاب ..فكان قضاء الله وقدره ومع تقدم السنوات أصبح فن الاعتذار يتخذ طابعاً جديداً وشكلاً محسناً ... حتى انتهى بأننا لن نذهب لتفشي وباء (انفلونزا الخنازير) وكأن هذا الوباء لن يأتي إلينا في داخل منازلنا إن كتب الله ذلك علينا وحين تضع كفة الميزان بين الإصابة فيه وبين عمرة مع محمدٍ صلى الله عليه وسلم تعدل حجة في هذا الشهر ... لرجحت هذه الكفة بدون نقاش ... وهكذا ينتهي الطرف الأول من المسألة .. ويبقى الطرف الآخر (المحرم) ..
فإن اكتمل الطرفان فالحمد لله على النعمة العظيمة التي قلما تكون لأحد ... وهي نعمة استدعاء الله لشخصك حتى يهب لك أجر هذا العمل في هذا الشهر الكريم ...
وهكذا تبدأ هذه الرحلة الرائعة والتي ما إن تنتهي إلا أنك لا تستطيع أن تشعر بشيء غير السعادة التي تكمن داخلك وتدعو للكل أن ييسر الله له ذلك الأمر ..
فلله ما أعظمها من رحلة ...
ولكن ومع هذا كله ليس هو هذا مقصدي من السيمفونية ...
نحن جميعاً نعلم أن السيمفونية هي مؤلف موسيقي يتكون من عدة حركات،حيث تحتوي السيمفونية على 4 حركات، تبدأ بحركة سريعة تليها حركة ثانية بطيئة، ثم يتبعها حركة ثالثة ثلاثية النمط ثم تختتم السيمفونية بحركة سريعة كما بدأت ....
ولكن سيمفونية الحرم تختلف .. بداية أنها حلال لاحرام ... ثانيها أنك تراها بها في بيت الله ولاتراها في غيره على حسب علمي ..
والكل برى هذه السيمفونية .... ولكن تختلف النظرة من شخص لآخر حسب إحساسه بها .
وهذه السيمفونية يقوم بها أناس ليس لهم حظ من العلم أبدا ولكني أسأل الله لهم ولمن يقودهم عظيم الأجر. هذه السيمفونية والتي تعجب من دقة حركتها ومن تسلسلها وتتابعها حتى أنك تجزم أنهم أدق من أي آلة ميكانيكية , وقد تمضي بك الساعة أو أكثر وأنت لا تمل لهم رؤية ولا تريد لعملهم توقفا ... وأكثر ما يعجبني في هذه السيمفونية أن قائدها وعامليها دائمو الابتسام بالرغم من كثافة العمل ودقته .. فلو أخل أحدهم بأي حركة فسيختل النظام كاملاً وهكذا دواليك لا تقف هذه السيمفونية عن العمل طوال الأربع وعشرين ساعة في حين أن الكل يذهب للراحة فإنك تجدهم في مناوبات متتابعة طوال هذه الفترة حتى يجعلوا هذا الحرم طاهراً ونظيفاً دوماً وأبداً ..
لطالما استمتعت بهذه السيمفونية ولطالما أدركت عِظَم حجمها ومسؤوليتها ... فنحن في منازلنا نكل ونتعب من العمل الدؤوب حتى نبقي هذا المنزل نظيفاً لامعاً ذا رائحة زكية ... فكيف ببيت الله الحرام وعظم حجمه وكثرة زواره وتتابعهم ..
وفي كل مرة أخرج فيها من الحرم ... أفتقد لهذه السيمفونية وأتشوق للعودة حتى أراها أمامي مرة أخرى ...
نعم ...إنهم عاملو النظافة في الحرم ... أولئك الذين يحركهم صوت قائدهم يأمرهم بأن يحولوا هذا المكان إلى بقعة لامعة زكية الرائحة .. وبكلمة واحدة تجدهم يمنة ويسرة في حركات إيقاعية منظمة جميلة ..باسمي الوجه سريعي الحركة نشيطي البدن ... فلله درهم ودر من يقودهم ودر من أرسى قواعدهم في بيت الله الحرام وأمر بذلك ...
لعلي بكم إن أكرمكم الله بزيارة البيت الحرام أن تروا هذه السيمفونية ... كما نظرت أنا لها ... لأنكم في النهاية سترون ابتسامة لن تروا مثلها حين ينجز العمل ... فلم نحن لسنا كذلك.
[email protected]