المهاتفة زحفت على مهل لاحتلال مواقع اللقاء وجها لوجه فأصبح اللقاء أذنا لأذن وترمدت تلك الحرارة العفوية وغابت تلك البساطة الحميمية العميقة التي يعبر عنها علي الدميني وهي تذرف المواجع:
«في الممر التقيت بوجه صديق قديم
قلت: كيفك؟
كيف الوظيفة والأمنيات؟
قال: إنا نعيش إلى أن يجيء الممات»
المهاتفة ليس فيها احتشاد ألوان اللقاء.. معانيه الإنسانية المتشابكة.. إنها لا تكون إلا لغرض ما.. صغيرا كان أو كبيرا.. ولا بد أن يكون مفرغا بكثافة وبسرعة وأن يكون (مشتت النحوية) أي حاملا قسمات قصيدة النثر الناجحة.. وقد اعتدت من فترة قصيرة وأخرى على مهاتفة من صديق.. مهاتفة طرية أنيقة مزنرة بالضحك.. ولكن هذه المرة كانت مهاتفة (رعدية) بلا أي برق.. كان غاضبا، فجاء صوته كأنه ريح صرصر عاتية قادمة من الربع الخالي.. وأنشأ يقول:
كيف؟ يعني احنا وين نروح؟
الثلاثة علينا مرة وحدة.. شلون؟
أي ثلاثة يا عزيزنا؟
الحر والغبار وكتابتك.. ليش ما تكتب ما يخفف عنا كآبة الحر والغبار؟ خلينا نعرف الضحك الذي نسيناه.. مو رايح تكتب عن: الذات والوجود ومثل هذه الأنفاق المظلمة.
قلت ضاحكا: أنا على يقين من أن الغبار يأتي بعده ما قال عبد الله الصيخان:
«أعرف بعد الغبار تغني السماء لنا أغنية تصب لنا الماء في عطش الكأس».
وعليك يا عزيزنا أن تنتظر وتسمع وتطيع المثل العراقي الذي يقول: «اقعد بالشمس لما يجيك الفي».
انهمر شواظا من شدة الغضب.
لا تخليني أسب الشعر والأمثال كل ما أريد أنا ومن يسطلون معي في الحر والغبار أن تكتبوا شيئا نمسح به نظاراتنا.
هنا قلت له بقوة:
إذن ماذا كنا نصنع من أول الشوط!! أذا لم يكن هو تقديم ما تمسح به نظارتك؟
ومع ذلك يا عزيزنا سوف نقدم ضحكا كما يفهمه عمنا الضخم.