بعض الأشخاص تلتصق بألسنتهم ألفاظ معينة تشكل (لازمة) يرددها في نهاية كل جملة وأخرى، ينطق بها مثل: (واخذ بالك؟) (سامعني؟) (تصدق؟) هذا في حالة المتكلم .. أما في حالة السامع فهناك أكثر من لازمة مثل: (إيه) (أو بعدين؟) (طيب) أما أغربها فهي كلمة عجيب.
أنا من هذه الفصيلة، ففي نهاية كل جملة لمحدثي أجر جرا طويلا كلمة (عجيب) حتى أن بعض من يحدثونني يظن أني أسخر منه، لأني أقولها إثر شيء ليس فقط لا يستحق التعجب، بل لا يستحق الالتفات مثل قول صلاح عبد الصبور حين تنتزعه من سياقه.. اكرر حين تنتزعه من سياقه..
(وشربت شايا في الطريق
ورتقت نعلي)
أنت يمكن أن تقول (عجيييب) بعد سماع شعر مثل (أجاد) أو (صح لسانك) ولكن أن تقولها بعد (نمت في بيتي البارحة) فهذا يناقض مجال التعجب بصورة صارخة.
كيف صارت كلمة عجيب لازمة لاصقة بلساني، أنطقها بصورة تلقائية، بعد كل فاصلة في حديث محدثي؟ طرحت هذا السؤال على دارس لعلم النفس عندنا.. فقال: لا أدري.. وقد قدرت إجابته تقديرا عاليا، فهو صاحب ضمير علمي وموضوعية صريحة.. وزاد تقديري له أضعافا بعد أن سألت شخصا آخر في نفس الاختصاص ونفسي الجامعة.. فأجابني بعد أن تلفت يمينا وشمالا وعدّل من مهابة الغترة والعقال قائلا:
«علم النفس باعتباره علم الأنفاق السرمدية والآبار السحيقة، متلاطمة كانت أو جافة.. لم يحسم الإجابة عن مثل هذا السؤال، بما له وما عليه من إملاءات واشتراطات متقاطعة.. ولكنه وضع عدة احتمالات، فيها من العلم مقدار ما فيها من الحدسية المستقرة في علوم الباطن.
أول تلك الاحتمالات:
أن الشخص الذي تلتصق بلسانه كلمة عجيب .. لم يفارق بعد ملعب الطفولة ـ مهما كان كبيرا ـ فهو لا يزال في تلك الحارة من العمر التي يطل من نوافذها الضيقة فيرى كل شيء عجيبا محاطا بالدهشة ومزنرا بالألغاز المتقاطرة في شرايين الإملاء في المدرسة الابتدائية.
تصور أن بعض الذين يسمونهم الشعراء.. أي أولئك السادرين في أودية (منطق الطير) صوّر صورة بشعة للطفل حين يرى القمر.. صورة متناقضة أشبه بالمقاييس الضوئية التي تاهت خارج حديقة الفيزياء وهي ـ أي الحديقة ـ ما زالت تحت سخاء الربيع .. فهو يقول:
(ونشوة وحشية تعانق السماء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر)
هذا هو جواب لسؤالك وقد كشفت لك عن وجه بعض الاحتمالات.. لعلمي أنك (لن تستطيع معي صبرا) حين أكشف لك كل الوجوه.