اللغة تشبه الأرض، كلتاهما ذات جاذبية لا يمكن تخطيها إلا بفهم قوانينها الصارمة، والفرق بينهما هو أن قوانين جاذبية الأرض تفرضها الطبيعة، أما جاذبية اللغة فيفرضها (التواطؤ الاجتماعي) .. إن جاذبية الأرض تتعلق بالأجسام أما جاذبية التواطؤ اللغوي فتتعلق بالروح والعقل والوجدان، أي بالبناء الداخلي للإنسـان .. جاذبية الأرض لا نشعر بها، أما جاذبية اللغة فنلمسها فيما يقوله الواعظ والسياسي والشاعر والفيلسوف : إننا نشعر بها في كل الأساليب الفكرية التي لا تتجسد إلا باللغة.
والفرق الآخر بين الجاذبيتين يتمثل في أن تأثير جاذبية الأرض على الأجسام لا يختلف من فرد الى آخر في المكان الواحد .. أما جاذبية اللغة فتختلف اختلافا مترامي الأطراف .. فترى تأثيرها على هذا الفرد تأثيرا ماحيا.. وترى تأثيرها على ذاك أقل سطوة وأهون قوة بمقدار ما يتمتع به الأفراد من قدرة على التجاوز وكسر طوق التقليد بامتطاء صهوة المجاز.
وفارق ثالث هو أن جاذبية الأرض ليس فيها تراكم .. إنها واحدة أما جاذبية اللغة فهي تنقص وتزداد حسب الزمان والمكان وحسب النمو المعرفي عند الأفراد.. وبحسب القدرة على الانفلات من التقليد .. ومن إغراء المفردات الجامحة حسب الاستسلام للعادة وحسب الانزلاق الفموي إلى تيارها.
والذي أعنيه بالتواطؤ هو التوافق، وهو المعنى اللغوي الجذري أي لا أقصد ما عناه الشاعر او بتعبير أصح الناظم أو لاصق الألفاظ..
ونسبة الألفاظ للمعاني خمسة أقسام بلا نقصان
تواطؤ تشاكك تخالف والاشتراك عكسه الترادف
فهذا اللاصق وجماعته يقصدون بالتواطؤ معناه المنطقي الأرسطي القائل: (اللفظ المتواطئ ما تساوت أفراده وليس بعض الافراد أولى من بعض مثل الإنسان).
اللغة ليست مفردات .. إنها علاقات لغوية ودلالات، تلك العلاقات وهي المفاهيم، وما تعنيه من تناضج تاريخي تطوري وهي حاملة الآراء والعقائد والمعقول واللا معقول .. وكل ذلك يحــتل ذاكرة الأفراد والمساحات المختلفـــة من إدراكاتهم، ومعناه خلق القناعات وغرس الاهتمامات والتوجّهات التي غرسها المجتمع حاضن اللغة في أفراده.
إن الأفراد أمام هذا الســـيل اللغوي بين مستسلم مقلد لتيارها وبين مقاوم بصورة نسبية لهذا السيل .. إن المقلد كائن (عقـــله في أذنيه) تحمله رياح اللغة إلى حيث تــــريد، أما الذي يستطيع ليّ زمامها فهو وحده الذي يستطــــيع جعل ذاته تمارس ذاتــــها.. أليس كذلك؟!
[email protected]