يخبرنا النفّري قبل قرون: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة»، هذه الرؤية التي تمنح الكلام ندرة، وتكسوه طلاوة ونداوة وسحرا.
يجنح الكثير من المثقفين إلى استخدام مصطلحات ثقافية ذات تكوين نحتي خاص قد لا يفهمه إلا واضعه، وقد لا يفهمه حتى واضعه أو كاتبه! مفردات تجعل القارئ في حالة من حالات الفقد العقلي، وعدم القدرة على التواصل مع نسيج المقال الذي يتعاطى قراءته في جريدة او مجلة أو كتاب، فيصعب على القارئ العادي أو غير العادي –أحياناً- أن يفك شفرته المعقّدة، والتي قد تكون في الأساس كلمة بسيطة أراد المثقف إعطاءها حجما وحظوة من خلال ضخ أكبر كمية من الهواء لتضخيم وتفخيم تلك المفردة حتى يعطي عمله أهمية من خلال استعلائه على عقلية وثقافة القارئ، وكثيرة هي النماذج التي تواجهنا يوميا.
المضحك في الموضوع أن بعض المثقفين أنفسهم لا يعرفون سياق بعض المفردات، وكيف نشأت ونحتت، فاللغة قائمة على مقاربات من هنا وهناك، فقد يستخدم مفردة متناقضة على مستوى المقاربة اللغوية مع مفردة أخرى يعتقد أنها مترادفة معها ترادفا كليا، متجاهلا السياقات التاريخية التي نشأ بها كل مصطلح على حدة.
هذا لو توقفنا فقط عند نحتهم الصرفي للمفردة العربية ناهيك عن الاستخدامات غير المبررة للمصطلحات الأجنبية التي تتراكب بعضها فوق بعض بطريقة كاريكاتورية تجلب هيستيريا من الضحك.
المفردة النخبوية أصبحت لا تغري القارئ – كثيرا- للاقتراب منها أو قراءتها، لكننا نرى للأسف كثيرا من المثقفين -وبالذات النقاد- يكادون يلتصقون بها التصاقا رغم عملية العزوف التي يمارسها القارئ، رغبة منهم في فرض هذه المفردة على القارئ شاء أم أبى.