بعد الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي في أوروبا، التبست بعض المفاهيم على المشتغلين بالثقافة، فالحرب العالمية الثانية تحديداً أخذت من الأرواح وأزهقت من الأنفس ما جعلت المثقف الممتلئ أسئلة يقف حائرا أمام وجوده وكينونته، فبدأ بالتشكيك غير المجد ليصل للعبثية في كل شيء بدءاً بالكتابة وانتهاء بالسلوك اليومي الروتيني!، ولعل الأديب الفيلسوف جون بول سارتر هو المثال الأقرب لنا من خلال روايته الأشهر «الغثيان»، هذه الرواية –رغم عبثيّتها الكبيرة- تعدّ من أهم الروايات العالمية تأثيرا في الفكر الأوروبي الحديث.
حين نتلمس أسباب التوجه العبثي في أوروبا ندرك أن ثمة إرهاصات ومقدمات منشئة، كان لها دورها الطبيعي في تكوين هذه البنية الثقافية التحتية المشكّلة للوعي العلماني الأوربي الجديد. ولكن، ماذا عن المشهد الثقافي العربي ؟
هل تكون الكتابة لأجل الكتابة فقط؟ هل يتحوّل مثقفونا إلى مجموعة ثرثارين يخبرونا عن قضايا لا تسمن ولا تغني من جوع؟ أو يكتبون عن تجارب يعتقد كل واحد منهم بأنها تجارب فذة تستحق أن تدوّن وتقرأ ويُحتفى بها، فنجده يكتب عن يومياته وسيرته الذاتية فيورط نفسه ويورطنا معه في بلاهات لا أول لها ولا آخر!!
كان علينا ألّا نستجلب تجارب الآخرين بحجة أنها تجارب ناجحة ومنجَزة على الواقع، متناسين النسق والسياق التاريخي الذي سببها ونشأت به، فمن المضحك فعلا أن نقع تحت تأثير فكرة هي في الأساس ليست موجودة إلا في أدمغتنا!!
الحياة مليئة بما يستحق الكتابة، ولو كنا حقيقيين في مشروعنا الثقافي فسنجد في وجوه الناس البسطاء الذين نواجههم كل يوم ما نكتبه ونكتبه ونكتبه.. لماذا لا ننزل من تلك البروج العاجية ونزيح عن أعيينا الغمامة ونضع عليها نظارت إنسانية جديدة لنرى ونشعر ونكتب دون عبثية أو فوضى؟
[email protected]