قبل أربعة قرون طالب الفيلسوف الإيطالي ميكافيلي بخلق وطن حر من الصراعات الإقطاعية، قادر على قمع الاضطرابات، وكان يعتبر من المسموح به استخدام كل الوسائل في الصراع السياسي، فميكافيلي القائل «الغاية تبرر الوسيلة» برر القسوة في صراع الحكّام على السلطة، وكان رهان ميكافيلي التاريخي أنه كان واحدا من أوائل من رأوا الدولة بعين إنسانية واستنبطوا قوانينها من العقل والخبرة وليس من ينبوع آخر.
كنت في قراءة تفحصية لكتاب «الأمير» وشغلتني فكرة «ميكافيلية الرواية السعودية» إذ هل من الممكن أن نخولق حالة من الكتابة قوامها معادلة الغاية والوسيلة، وأن يلعب الروائيون على هذا الوتر في البناء الهندسي للرواية، فلو افترضنا – جدلا - أن لكل روائي غاية مختلفة عن الآخر، فمنهم من كانت غايته تحقيق الذات، والآخر الاصلاح الاجتماعي، والثالث الفضائحية، والرابع التنوير، ووو...، وأمام غايات متنوعة كهذه وضعنا وسائل متعددة ومتاحة من الممكن التعامل معها بسهولة، واستثمارها بعناية للوصول للهدف المنشود من الاشتغال.
أعتقد انني - أمام افتراض كهذا - سأجد نتائج متنوعة للوسائل التي سوف تستثمر من قبل الروائيين، وسأحصل على أعمال روائية متماسكة في هندستها اتخذت لأهدافها وسائل تخدمها بوعي شديد المنطق يقول لنا هذا أيضا!
المفارقة الكبيرة في الواقع تقوم على ميكافيلية الأهداف، فالغاية تبرر الوسيلة، ولا نكاد نبصر أو نقرأ عملاً روائيا محلياً إلا وكانت وسيلته «تحطيم التابو الثلاثي»، وكأن هذا التابو يلاحقنا حتى في أحلامنا ! وليتهم اهتموا بثلاثية التابو في عملية التحليل والرصد والكشف، فلا نجد في كل ما نقرأ إلا نوادي ليلية تسكن أرفف مكتباتنا الروائية !، وكأنه ليس من الممكن رصد تعرٍ سياسي أو ديني من الممكن تفكيكه والاشتغال عليه!
المضحك المبكي جداً - مع كل هذا - أن روائيينا - هداهم الله - لا يطيقون سماع نقد أو توجيه أو محاكمة على غير طاولة الكمال الأدبي المطلق، وهذه هي المساءلة النقدية الميكافيلية التي على النقاد ألّا يتبسطوا فيها، وألّا يهملوها على حساب الصداقات والشللية والمحسوبية، واخدمني واخدمك، وعلى عينك يا تاجر!!
[email protected]