وتتجاوز رعاية القطيع توفير الماء والغذاء؛ فالرعي يتطلب معرفةً بمواقع الكلأ ومسارات التنقل، وملاحظةً لطباع المواشي واستجابتها، وملازمةً لها في مراعي متفاوتة التضاريس، ومن هذه التفاصيل اليومية تشكّلت خبرة الرعاة وتوارثتها الأجيال، لتبقى تربية المواشي موردًا للمعيشة والإنتاج، ورافدًا للاستقرار الاقتصادي الريفي والأمن الغذائي.
معارف الرعي المتوارثة
ومن معارف الرعي المتوارثة "ترويعة الراعي"، وهي لون من الموروث الشفهي يؤدّيه الراعي عند رعي الأغنام، ويستجيب له القطيع، وتتعدد نداءاتها بحسب الموقف؛ فنداءٌ يحث الأغنام على التوجه إلى المرعى، وآخر تألفه عند العودة، لتؤدي الترويعة دورًا في توجيه حركة القطيع، وتجسد أسلوبًا في التواصل نشأ من الممارسة اليومية.وفي شعاب جبال بلغازي بمحافظة العيدابي، يستحضر محمد الغزواني، المهتم بالموروث الشعبي، "ترويعة الراعي"؛ نداءً تراثيًا تناقلته الأجيال، يربط الراعي بقطيعه ويتردد صداه في امتداد الشعاب، حاملًا إيقاعًا ألفه الرعاة وحفظته الذاكرة الشعبية.
وأوضح الغزواني أن الترويعة تمنح الرعي بُعدًا ثقافيًا يتصل بمعارف الأهالي وأساليب عيشهم؛ فقد ارتبط صوتها بالمراعي، وبقي حاضرًا في الذاكرة موروثًا تتناقله الأجيال، ويجسد خصوصية العلاقة بين الإنسان ومواشيه والأرض التي يرعاها.
وتحمل الموروثات الشعبية في تفاصيلها ذاكرة المكان وخبرات أهله، وتبقى حاضرةً كلما تناقلها الناس ورووها للأجيال، ويأتي تدوينها وتوثيقها امتدادًا لهذه الذاكرة، وحفظًا لأصواتٍ وممارساتٍ تحكي جوانب من حياة المجتمع وصلته بأرضه.
