غير أن مشهد اليوم يكشف عن ظاهرة لغوية تستدعي التوقف وتحليلها، وهي الإفراط في دمج اللغة الإنجليزية مع العربية في أحاديثنا اليومية، ومراسلاتنا، وحتى في المفردات المستخدمة في بيئات العمل، وهو ما يُعرف بـ«الخلط اللغوي».
إن النقد الموجَّه لهذه الظاهرة لا ينطلق من موقف انغلاقي يرفض تعلم اللغات الأجنبية؛ فالإلمام باللغة الإنجليزية ميزة تنافسية وأداة مهمة للاطلاع على العلوم الحديثة. لكن الإشكالية تكمن في الإفراط في استخدام المفردات الأجنبية واستبدال كلمات عربية أصيلة بها دون حاجة فعلية، مما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف الارتباط المعرفي والثقافي باللغة الأم لدى الأجيال الناشئة، ويهز ثقتهم بقدرة اللغة العربية على استيعاب الحياة المعاصرة.
فاللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي وعاء الفكر والعمق الثقافي لأي مجتمع. وعندما تفقد حضورها في الأحاديث العفوية، يبدأ المجتمع بخسارة جزء مهم من هويته الثقافية التي تميزه.
والخروج من هذه الدائرة لا يتطلب مقاطعة اللغات الأخرى، بل يستلزم نشر وعي لغوي يبدأ من الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلامية. إننا بحاجة إلى تعزيز مبدأ «الاعتزاز بلساننا العربي» مع التميز في إتقان اللغات العالمية، بحيث تُستخدم الإنجليزية في سياقها العلمي والمهني الصحيح، وتظل العربية اللغة الأساسية للتواصل والتعبير اليومي. إن قوة أي مجتمع تكمن في قدرته على مواكبة العصر بذكاء، مع الحفاظ على جذوره الأصيلة راسخة وثابتة.
@ghzail96



