وهنا تبرز لنا التساؤلات: هل كان الزمن أبطأ في الماضي؟ أم أن إحساسنا به هو الذي تغيّر؟ أم أن البركة في الأعمار والأوقات تقلصت؟ والملفت في الأمر أيضًا أن هذا الإحساس لا يقتصر على جيل دون آخر. فكبير السن يرى شبابه كأنه أمس، وآخر يراه كالحلم، فالعمر كله ومضة، لا نشعر به حتى ينقضي!
والأرقام تخبرنا أن عمر الكون يزيد على «13» مليار سنة، وأن عمر الأرض يبلغ نحو «4.5» مليار سنة، بينما قد لا يتجاوز عمر الإنسان «100» ألف عام منذ وجوده على هذه الأرض. وقد مرّ على نزول القرآن الكريم أكثر من «1400» سنة هجرية.
ثم تأملوا بعد ذلك قوله سبحانه وتعالى: «وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ». ولذلك، قالت العرب: «كل ما هو آتٍ قريب». فكل شيء حولنا يمضي بسرعة مدهشة، لا نكاد ندركها إلا بالتأمل.
بينما يُنظر إلى الوقت في الفيزياء بوصفه مفهومًا نسبيًا، فإنه في التجربة الإنسانية يتجلى بشكل أوضح في إحساسنا به.. وفي هذا المعنى يقول الدكتور مصطفى محمود: «أفراحنا تجعل ساعاتنا لحظات، وآلامنا تجعل لحظاتنا طويلة مريرة ثقيلة مثل السنين وأطول. إحساسنا بالسرعة والبطء ليس مصدره ساعة الحائط، ولكن مصدره الحقيقي الشعور في داخلنا».
والأعجب أن البعض قد يشتكي من سرعة الوقت، ومع ذلك ينغمس في تفاصيل كثيرة من الحياة لا حاجة له بها. وهنا تظهر المفارقة: فالمشكلة ليست في سرعة الزمن، بل في غفلتنا عنه. ولذلك، جاء في الحديث النبوي الشريف: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
ومما يزيد في وطأة سرعة الوقت هو نمط الحياة العصري، الذي يقوم على فكرة العجلة والاختصار، فكما أن الوجبات السريعة «الفاست فود» صارت جزءًا من الروتين اليومي، وأصبحت الاتصالات والرسائل لا تحتاج إلا للحظات معدودة، وصارت مواقع التواصل الاجتماعي تتسابق على الترند، فكل شيء من حولنا نريده أن يكون أسرع وأسهل. ومع هذا التسارع في الحياة يخفت ضوء التأمل والهدوء شيئًا فشيئًا، وتبدو الأيام وكأنها تمر سريعًا، لا لأن الزمن تغيّر، بل لأننا تغيّرنا. ويُنسب إلى الإمام الشافعي قوله: نعيب زماننا والعيب فينا.. وما لزماننا عيب سوانا، ونهجو ذا الزمان بغير ذنب.. ولو نطق الزمان لنا هجانا.
ومن المفارقات الواضحة والمتكررة أننا اليوم نرى جزءًا كبيرًا من أوقاتنا يضيع في التصفح والتنقل بين التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي دون هدف واضح! فنحن إذًا لا نعيش فراغًا حقيقيًا، ولكننا في الوقت نفسه لا نعيش امتلاءً نافعًا حقيقيًا. ولعل هذا الوهم بالانشغال هو ما يجعل الأيام تبدو أقصر وأقل عمرًا. وبالمثال تتضح الصورة: مات الإمام النووي عن عمر «45» سنة فقط، ولكنه ترك خلفه ما يقارب «50» مؤلفًا ومصنفًا، أشهرها: رياض الصالحين، والأربعون النووية، وشرح صحيح مسلم.
[email protected]



