وفي قلب هذا التحول يبرز الاقتصاد الإبداعي باعتباره أحد أسرع القطاعات نموًا في العالم، والأقدر على خلق وظائف نوعية، وتحويل الثقافة والتراث والفنون والتقنية إلى صناعات متجددة تسهم في رفع تنافسية الدول وتعزيز هويتها الوطنية، غير أن هذا الاقتصاد الواعد لا يمكن أن ينمو دون بيئة تعليمية حاضنة له، تنقل المتعلم من موقع المتلقي إلى موقع المنتج، ومن التعلم بالحفظ إلى التعلم بالابتكار من خلال ممارسة الأنشطة القائمة على الإبداع الفردي ذات الصلة بالتصميم المعماري على سبيل المثال، أو الإعلام، أو صناعة الألعاب، أو الترفيه الفنون البصرية، أو كتابة الأدب ونشره وترجمته، أو الكتابة السينمائية والإنتاج المسرحي، والتقنية الإبداعية، وغيرها. ولا تكمن أهميته في التنوع فحسب، بل في كونه قطاعًا ذات قيمة اقتصادية واعدة، مولدة للفرص الوظيفية للقدرات البشرية.
«صالح» طالب سعودي مبدع، ومثال ملهم لزملائه في المرحلة الثانوية، كان شغوفًا بالتصميم الرقمي، لكنه لم يجد في المناهج القدر الكافي الكفيل بتنمية المهارة ورفع كفاءة القدرة؛ مما دفع معلمه «علي» إلى التواصل مع إحدى جمعيات القطاع غير الربحي المتعلقة بالإبداع والابتكار الرقمي، فتوفر له مساحة كافية لممارسة المهارة وتنفيذ التصاميم المدرسية، والذي شكّل نقطة تحول في حياة الطالب وشخصيته، حيث أتاحت الشراكة له المشاركة في مسابقات محلية وإقليمية وعالمية، والحصول لاحقًا على فرص تدريبية متخصصة في إحدى شركات التصميم. ولا شك أن هذه التجربة البسيطة تؤكد أن التعليم حين يمنح مساحة حرّة للإبداع يمكن أن يغير مصير فرد ويخلق قيمة اقتصادية مستقبلية.
وفي السياق الجامعي، أسست إحدى الجامعات «معمل الفنون الرقمية» داخل الحرم الجامعي، والذي يتيح للطلاب والطالبات المعرفة التصميمة للشخصيات ثلاثية الأبعاد، وبرمجة الألعاب، وإنتاج الفيديو وممارستها عملياً. ورغم أن الفكرة بدأت بمبادرة صغيرة من قسم تقنيات التعليم، فإن النتائج كانت لافتة؛ إذ تأسست عدة شركات ناشئة على يد الطلاب والطالبات أنفسهم، وبدأت الجامعة في توقيع شراكات مع جهات ثقافية وإعلامية. هذا النموذج يوضح أن التعليم الجامعي حين يتحول إلى منصة إنتاج وليس مجرد قاعة محاضرات، يصبح رافدًا مباشرًا للاقتصاد الإبداعي.
وبهذا فإن التعليم بحاجة إلى عمق في تصميم المناهج وهندستها، وعدم الوقوف عند قشور المعرفة التي سرعان ما تذهب أدراج الرياح، والعمل على تفعيل التعلم القائم على المشاريع لكونه يدرب المتعلمين على تحويل الأفكار إلى نماذج حقيقية، ويمنحهم فرصًا للعمل الجماعي، وحل المشكلات، والابتكار في سياقات واقعية. ولأن التعليم لا يتحقق داخل الفصول فقط، فإن الأنشطة تلعب دورًا مركزيًا في اكتشاف المواهب من خلال الأندية المدرسية في المسرح، والفنون، والروبوت، وصناعة المحتوى يمكن أن تتحول إلى منصات إنتاج صغيرة، تدعم المواهب الشابة وتفتح أمامها أبواب التطور.
من جانب آخر، فإن المعلم هو حجر الأساس في بناء المهارات الإبداعية. فالمعلم المُلهم الذي يشجع على الأسئلة المفتوحة، ويمنح مساحة للتجربة، ويتقبل الأخطاء بوصفها جزءًا من التعلم، قادر على نقل طالب عادي إلى المستوى الإبداعي. وقد روى أحد المعلمين تجربته مع طالب كان يعاني من ضعف في التحصيل الدراسي لكنه يملك موهبة في الرسم. بدلاً من التركيز على نقاط ضعفه، كلفه المعلم برسم مشاهد تعليمية تُستخدم داخل الفصل. هذا التكليف البسيط أعاد للطالب ثقته بنفسه، وانعكس على أدائه الأكاديمي، ثم استمر في المجال الفني حتى أصبح أحد أبرز رسامي الكاريكاتير الشباب في منطقته. وتعظم المسؤولية في الجامعات لعظم دورها وأهميتها في صناعة الإنسان؛ مما يحتم عليها إطلاق برامج نوعية في الصناعات الثقافية، وصناعة الأفلام، وإدارة المحتوى، وتصميم الألعاب، والذكاء الاصطناعي في الفنون، وبناء حاضنات الأعمال المتخصصة في الاقتصاد الإبداعي لإعطاء الطلاب فرصة لتحويل مشاريعهم إلى شركات ناشئة، مما يسهم في خلق وظائف جديدة واقتصاد متنوع. فالاقتصاد الإبداعي ليس مشروعًا ثقافيًا فقط، بل هو مشروع تنموي شامل، يحتاج إلى بيئة تعليمية واعية، ومناهج حديثة، ومعلمين ملهمين، وتجارب حياتية تُشعل الشرارة الأولى للإبداع. وحين يصبح التعليم مولدًا للأفكار، يصبح الاقتصاد قادرًا على إنتاج مستقبل أكثر ثراءً واستدامة.
[email protected]


