اليوم يتغيَّر المشهد، الحكام الأجانب حاضرون بكثافة، كأننا نبحث عن "حل خارجي" لكل مباراة تحت الضغط، وحتى الحكم الرابع أصبح في بعض الأحيان مستقدمًا من الخارج، وكأننا نعلن—دون تصريح—أننا فقدنا شيئًا من تلك الثقة القديمة.
وبطولات عربية وإقليمية كبرى تشهد حضور حكام من دول أقل قوة كروية—مع كامل الاحترام لهم—فيما يغيب الحكم السعودي عن المشهد، رغم أن تطوّر كرة القدم يبدأ من تطوّر حكامها المحليين.
ولكن السؤال الأعمق:
هل المشكلة في الحكم السعودي... أم في الطريقة التي نتعامل بها معه؟
حين تقرأ سيرة التحكيم السعودي، تجد أن مراحل قوته جاءت دائمًا عندما كان الحكم المحلي جزءًا من المشروع، وليس مجرد خيار اضطراري، وفي المقابل جاءت لحظات التراجع حين أصبح الحكم الأجنبي هو الإجابة الجاهزة لكل سؤال.
ليس المطلوب أن نغلق الباب في وجه الخبرات الأجنبية، فهذا غير منطقي ولا واقعي، لكن المطلوب أن نعرف: هل نحن نطوّر الحكم السعودي، أم نُبعده تدريجيًا؟
هناك جيل كامل ينتظر فرصة عادلة، وجيل آخر اعتزل، لكنه لا يزال قادرًا على العطاء خارج الملعب. بين هؤلاء وتلك التجارب المتراكمة، يمكن أن تعود هوية التحكيم السعودي إلى صورتها الأصلية، بصافرة محلية ناضجة، مدعومة بالتطوير، لا بالإقصاء.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة عمر المهنا كأحد النماذج التي تستحق التوقف عندها. فقد أثبت خلال فترة رئاسته للجنة الحكام قدرة واضحة على الحفاظ على توازن المنظومة وإبعادها عن الضغوط، وتمكّن من تقليص استقدام الحكام الأجانب إلى نطاق محدود للغاية دون أن تتأثر عدالة المنافسة أو نزاهة النتائج.
ولعل أبرز الشواهد على ذلك أن البطولات في تلك الفترة توزعت بين أندية الفتح والشباب والأهلي والنصر والهلال، في دلالة تعكس استقرار الحكم المحلي وفاعلية إدارته للمباريات. إن هذه التجربة تؤكد أن تمكين الحكم السعودي وتعزيز الثقة به ليسا مجرد خيار تنظيمي، بل حجر أساس لسلامة المنافسة واستدامة تطوير اللعبة.
كل ذلك يقودنا إلى حقيقة واحدة:
إن مستقبل التحكيم السعودي لن يُبنى بالصدفة، ولا بالاعتماد الدائم على الحلول الجاهزة من الخارج، بل بالعودة إلى المشروع الذي يضع الحكم المحلي في قلب المنظومة؛ مشروع يصنع جيلاً جديدًا واثقًا، ويمنح الأجيال السابقة دورها الطبيعي في البناء والتوجيه.
فالصافرة التي كانت يومًا رمزًا للهوية... يمكن أن تستعيد حضورها مجددًا، متى ما توفرت الإرادة، وعادت الثقة، وعاد الإيمان بأن الحكم السعودي ليس مشكلة تبحث عن بديل، بل قوة تنتظر أن تُستثمر من جديد.