لقد صار بإمكان التكنولوجيا أن تجمّل، تُلمّع، تُعيد صياغة الحقائق، أو حتى تخلق واقعًا موازيًا بالكامل. فيديوهات بوجوه مولّدة، صور لحملات لم تحدث بعد، متحدث رسمي لا وجود له خارج شاشة، ورسائل مصاغة بخوارزميات تتقن عاطفة الإنسان أكثر مما يتقنها الإنسان نفسه. ومع تراكم كل هذه الاحتمالات المصنوعة، أصبحت العلاقات العامة الحارس الوحيد للخط الفاصل بين الواقع والصورة.
المفارقة أن الجمهور لم يعد يبحث عن الكمال بقدر بحثه عن الأصالة. التقنية تستطيع أن تعطي المؤسسة صوتًا مثاليًا، ولغة بلا تعثرات بشرية، وصورًا بلا شوائب. لكنها لا تستطيع أن تمنحها عذرًا صادقًا، أو ترددًا إنسانيًا، أو خطأ صغيرًا يكشف روحها. وهنا يبدأ التحدي الحقيقي: كيف تحافظ العلاقات العامة على صدق العلامة وهي محاطة بأدوات يمكنها تزييف كل شيء تقريبًا؟
ربما كانت أعظم مسؤولية للعلاقات العامة اليوم ليست تحسين السمعة، بل حمايتها من الازدحام الرقمي الذي يهدد بتذويب الحقيقة.
في وقتنا الراهن أصبح الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من مقومات التميز في الأداء سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المؤسسات . فهذه تقنية تمكّن الآلات من محاكاة قدرات الذكاء البشري مثل التعلم واتخاذ القرار وحل المشكلات. كما يعمل الذكاء الاصطناعي عن طريق تحليل كميات هائلة من البيانات للتعرف على الأنماط، وفهم اللغة الطبيعية، وإنشاء محتوى جديد، والتنبؤ بالنتائج المستقبلية. كما يقوم الذكاء الاصطناعي بمعالجة كميات كبيرة من البيانات غير المهيكلة (مثل النصوص والصور والصوت) لاستخلاص معلومات مفيدة وتحديد الأنماط والعلاقات المخفية داخلها. كما ان للذكاء الاصطناعي القدرة على محاكاة الذكاء البشري: بناءً على ما تعلمه، ويمكن للأنظمة أن تتخذ قرارات مستقلة، وتستجيب بشكل طبيعي، وتقدم توصيات، بل وتؤدي مهام معقدة لتحل محل الحاجة إلى التدخل البشري في بعض الحالات، مثل السيارات ذاتية القيادة.
جميع هذ المقومات التي يتمتع بها الذكاء الاصطناعي وما لديه من قدرة على صناعة الفرق في الإنتاجية تجعله الخيار الأمثل . لكن بالمقابل فإن الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يمنح المؤسسة حضورًا لامعًا، لكنه قد يسرق منها أثمن ما تملك: ثقة الناس. والثقة، مهما تطورت الخوارزميات، تبقى كامنة في الأشياء التي لا يمكن للآلة أن تقلدها.كرجفة صوت في اعتذار، أو كلمة خرجت قبل أن تُراجع.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي لن يقتل العلاقات العامة، لكنه سيكشف هشاشتها إن استخدمته المؤسسة لإخفاء حقيقتها بدل أن تستخدمه للكشف عنها. فالعلاقات العامة اليوم تقف في لحظة تاريخية نادرة: إما أن تصبح صوتًا يحافظ على معنى الحقيقة، أو أن تتحول هي نفسها إلى جزءٍ من واقعٍ مصطنع يتوسع كل يوم.
[email protected]



