تأثير الذكاء الاصطناعي لا يقف عند عرض المحتوى فقط، بل يمتد إلى صناعة الأخبار نفسها، حيث أصبحت بعض المؤسسات الإعلامية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في كتابة الأخبار والتقارير بشكل آلي، ما يتيح إنتاج كميات ضخمة من المحتوى في وقت قصير وبكلفة أقل. هذه القدرة تحمل جانبًا إيجابيًا في سرعة نقل المعلومات، لكنها قد تؤثر في حيادية الأخبار وطريقة صياغتها، خاصة إذا تم توجيه الخوارزميات نحو منح الأحداث طابعًا معينًا يخدم فكرة أو جهة محددة.
الأمر لا يتوقف هنا، فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا أيضًا على قياس مزاج الجمهور وتحليل ملايين المنشورات والتعليقات لفهم التوجهات العامة والتنبؤ بها بدقة عالية، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن هذه التقنيات وصلت إلى نسبة دقة تتجاوز 80% في توقع نتائج استطلاعات الرأي حول القضايا السياسية. هذا يعني أن الجهات التي تملك هذه الأدوات تستطيع ليس فقط متابعة الرأي العام بل التأثير فيه بشكل مباشر.
لكن أخطر ما في الأمر، هو استخدام الذكاء الاصطناعي في نشر المعلومات المضللة عبر ما يعرف بالروبوتات الآلية أو البوتات، وهي حسابات مزيفة تُدار بشكل تلقائي لنشر محتوى يخدم توجهًا معينًا، سواء في الانتخابات أو القضايا الاجتماعية. تقارير صادرة عن جامعات مرموقة مثل أكسفورد، كشفت أن نسبة كبيرة من المحتوى السياسي المنتشر على وسائل التواصل مصدره حسابات غير حقيقية تديرها خوارزميات، وهو ما يجعل المستخدم العادي عرضة للتأثير دون أن يدرك ذلك.
هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات مهمة عن الأخلاقيات والشفافية في استخدام هذه التقنيات، فكيف نضمن أن الذكاء الاصطناعي لا يسيطر على عقول الناس ويوجههم دون وعي منهم؟ الدراسات الحديثة تؤكد أن أكثر من 60% من المستخدمين يعتقدون أن المحتوى الذي يظهر لهم عبر المنصات يؤثر في آرائهم بشكل مباشر، وهو ما يزيد من الحاجة لوضع قوانين ومعايير تضمن الشفافية وتوضح للمستخدم الفرق بين المحتوى الطبيعي والمحتوى الذي أنتجته خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم في قلب عملية تشكيل الرأي العام، ليس فقط من خلال ما يعرضه علينا من محتوى، بل بما يملكه من قدرة على إنتاج المعلومات وتحليلها والتنبؤ بتوجهاتنا. هذه القوة الهائلة يمكن أن تكون أداة إيجابية لنشر المعرفة وتعزيز النقاش العام، لكنها قد تتحول إلى خطر إذا استُخدمت للتضليل أو السيطرة على العقول.
وهنا يبقى التحدي الأكبر في الموازنة بين الاستفادة من هذه التقنيات وحماية وعي المجتمعات من التلاعب الخفي.
[email protected]



