في علم النفس، لا تُدرج متلازمة كازانوفا ضمن التصنيفات الطبية الرسمية، لكنها تُستخدم لوصف نمط سلوكي يظهر عند بعض الأشخاص ممن يجدون في تعدد العلاقات وسيلة لتعزيز تقديرهم الذاتي، أو للتغطية على فراغ داخلي، أو للهروب من الالتزام العاطفي الحقيقي. أصحاب هذه المتلازمة غالبًا لا يسعون إلى الإيذاء، لكن سلوكهم يحمل بطبيعته طابعًا مؤذيًا للآخرين ولأنفسهم أيضًا. إذ يتكرّر النمط ذاته: انجذاب سريع، سحر أولي، وعود غير مستقرة، ثم انسحاب فجائي عند أول إشارة على الاستقرار أو الالتزام.
ما يجعل هذه المتلازمة مثيرة للاهتمام، هو التناقض القابع في قلبها. فالشخص الذي يُظهر قدرة عالية على الإغواء، يفتقر في العمق إلى القدرة على الارتباط. من ينبهر به الآخرون لقوة حضوره، يعيش غالبًا حالة من القلق الخفي من أن يُكشَف على حقيقته أو أن يخذل من حوله إذا طالت العلاقة. في العمق، هناك خوف من فقدان السيطرة، من التورط العاطفي، ومن هشاشة الذات التي تتخفّى خلف تعدد التجارب.
غالبًا ما يُعاني أصحاب هذا النمط من تاريخ عاطفي غير مستقر، أو من علاقات سابقة شكّلت لديهم تصورًا مشوّهًا عن الحب والارتباط. وقد يكون الدافع أحيانًا هو الشعور الدائم بالحاجة إلى التقدير، حيث تصبح كل علاقة جديدة فرصة لإثبات الجاذبية أو القيمة، وكأن كل نظرة إعجاب تُستخدم كمسكن مؤقت لهشاشة أعمق. وفي حين يُنظر إلى هذا السلوك أحيانًا باعتباره نوعًا من الانفتاح الاجتماعي، إلا أنه في الواقع يعكس حاجة غير مشبعة، وتجنبًا مزمنًا للمواجهة الحقيقية مع الذات ومع الطرف الآخر.
في المجتمعات المعاصرة، تجد هذه المتلازمة بيئة خصبة للنمو، خصوصًا مع تحوّل العلاقات إلى مساحات سريعة ومتقطعة من التواصل، وانتشار تطبيقات التعارف، وضعف الروابط العاطفية طويلة الأمد. ومع تطبيع السطحية في العلاقات، أصبح من السهل تغليف هذا النمط بغلاف اجتماعي مقبول، بل ومحبوب أحيانًا، ما يصعّب على صاحبه التوقف أو التأمل في مسار سلوكياته.
الخطورة في متلازمة كازانوفا لا تكمن فقط في الأثر الذي تُخلّفه على من يدخلون في علاقات مع أصحابها، بل أيضًا في المسار الذاتي الذي يأخذ صاحبه إلى عزلة متراكمة، حيث يصبح التكرار مصدرًا للتيه لا للإشباع، ويغدو النجاح في الإغواء فشلًا في الارتباط. فكل علاقة تُنهيها المتلازمة لا تترك مجرد شخص مجروح في الخارج، بل تترك في الداخل طبقة جديدة من الخواء، تُغذّي الحلقة ذاتها: حاجة، اقتراب، فتور، انسحاب.. ثم إعادة المحاولة من جديد.
الفهم العميق لهذه الظاهرة يتطلّب تجاوز الأحكام السريعة، والنظر إلى السلوك باعتباره عرضًا لخلل أعمق لا يتعلّق بالأخلاق بقدر ما يتعلّق بالهوية، والخوف، وإدارة العلاقات. وربما يكون العلاج الحقيقي لمن يعاني من هذا النمط هو أولًا الوعي به، وثانيًا الاستعداد لمواجهة الذات بعيدًا عن الأقنعة. لأن التورط في علاقة واحدة، حقيقية، مكشوفة، وبدون مسافات هروب، يتطلّب شجاعة أكبر بكثير من الدخول في عشرات العلاقات القصيرة.
[email protected]



