خضعت الرياض لحكم الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم عادت إلى حكم الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- عام 1319هـ، ولا غرو أن يصر الملك عبدالعزيز -رحمه الله- على إعادة الرياض التي تعد امتدادًا تاريخيًّا لمسيرة الآباء والأجداد، وولد وترعرع فيها، ونهل من علمائها بعد أن عهد به والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود -رحمه الله- إلى القاضي عبدالله الخرجي لتعليمه القرآن الكريم والقراءة والكتابة وهو في سن السابعة من عمره، وفي سن العاشرة تلقى تحصيله في الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، وبالتوازي مع ذلك كان الملك عبدالعزيز يتعلم ركوب الخيل، ومهارات الفروسية.
وتأثرت شخصية الملك عبدالعزيز كثيرًا بشخصية والده الإمام عبدالرحمن الفيصل -رحمهما الله- حيث كان أبًا، ومعلمًا، وأخًا، وصديقًا لابنه، فضلًا عن شخصية والدته الأميرة سارة السديري التي كانت من أكمل النساء عقلًا وتدبيرًا، وكان محبًّا لإخوته (خالد، فيصل، فهد، محمد، نورة)، لكن علاقته بالأميرة نورة -رحمها الله- كانت أكثر حميمية، واحتلت مكانة كبيرة في نفسه -رحمه الله-، حتى إنه ينتخي بها بالقول: «أنا أخو نورة، أنا أخو الأنوار»، ويحرص على زيارتها يوميًّا في منزلها.
وللملك عبدالعزيز شخصية قوية آسرة، ومهابة تأثر بها كل من قابله، وفي المقابل كانت له صورة باسمة مشرقة بأسارير متهللة بما عُرف عنه -رحمه الله- من لين الجانب والتواضع والمرح، وعدم تكلفه في الحديث مع أبناء شعبه ورعيته، فضلًا عن كرمه وسخائه مع الجميع، فلم يكن ملكًا فقط، بل كان رب أسرة ومحبًّا للجميع، ورجلًا قدوة في أفعاله وسلوكياته.
وأبهرت شخصية الملك عبدالعزيز الكثير من المفكرين والمؤرخين في العالم، ومنهم المؤرخ الصيني البروفيسور يانغ يان هونغ الذي قال عنه: «لقد كان الملك عبدالعزيز أحد العباقرة الذين قدموا لأممهم وأوطانهم خدمات جليلة بجهودهم الجبارة التي لا تعرف الكلل أو الملل، وأثروا في تطور المجتمعات البشرية وتقدمها نحو الغاية المنشودة، وسجلوا مآثر عظيمة في السجل التاريخي المفعم بالأمجاد الخالدة».
ووصف الدكتور فون دايزل النمساوي الذي زار المملكة عام 1926م الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بالنابغة، مستشهدًا بالقول: إذا عرفتم أن ابن سعود نجح في تأليف إمبراطورية تفوق مساحتها مجموع مساحات ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، معًا بعد أن كان زعيمًا لا يقود في بادئ الأمر سوى عددٍ من الرجال تمكن بمساعدتهم من استرداد الرياض عاصمة أجداده، لم يداخلكم الشك في أن هذا الرجل الذي يعمل هذا يحق له أن يسمى «نابغة».
وعُرف عن الملك عبدالعزيز احترامه الكبير للعلماء طيلة فترة حياته -رحمه لله-، فكان يقدمهم على إخوته في مجلسه، ويستمع إليهم، ومبعث ذلك إيمان الملك عبدالعزيز التام بقيمة العلم والعلماء وأثرهم في الحياة، وأن احترامهم وحسن العلاقة بهم والاستئناس بآرائهم واجب تمليه العقيدة الإسلامية التي ظل مطبقًا لمنهجها -رحمه الله- في حياته الخاصة، والحياة العامة في البلاد، ومضى على ذلك النهج من بعده أنجاله الملوك البررة.
وعدَّ المؤرخون خروج الملك عبدالعزيز، مع والده الإمام عبدالرحمن -رحمهما الله- وبعض أفراد أسرته من الرياض عام 1308هـ الموافق 1891م، الحدث الأصعب في حياته؛ إذ غادرها وهو في سنة الـ12عامًا، وقيل 15 عامًا، وكانت محطتهم الأولى بعد الرياض واحة «يبرين» في الأحساء، فالبحرين إلى أن وصلوا فيما بعد إلى الكويت واستقروا بها عدة سنوات ظل فيها الملك عبدالعزيز معلق القلب بالرياض التي وُلد وترعرع فيها، وكبرت فيها تطلعاته وآماله.
وتمكّن الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- بفضل الله تعالى عبر رحلة طويلة أضناه فيها طول المشي والتفكير من لملمة شتات البلاد، وإعادة الأمن، والتصدي للفوضى التي كانت سائدة في الجزيرة العربية آنذاك، وأصبح بمحبة الناس ملكًا لدولة سهر على بنائها وأوجد نظامها حتى أصبحت لها مواقف مشرفة مع الأمتين العربية والإسلامية، والعالم أجمع.
وفي شهر محرم من عام 1373هـ ترجَّل الفارس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- عن صهوة جواده بعد أن اشتد عليه المرض -رحمه الله- أثناء إقامته في الطائف، وفي فجر الثاني من شهر ربيع الأول من عام 1373هـ، الموافق 9 نوفمبر 1953م، فاضت روحه -رحمه الله- إلى بارئها، بعد أن سار في رحلة طويلة عاش فيها أعظم الأحداث، وواجه أكبر التحديات، لكنه ترك للأجيال الحاضرة والمقبلة إرثًا عظيمًا يهنأ فيه الجميع بين أحضان دولة مترامية الأطراف، أسِّست على التوحيد لتظل «ولله الحمد» في نماء مستمر، وأمن وخير وسلام حتى وقتنا الحالي، وقد وُوري جثمانه -رحمه الله- في مقبرة العود بوسط مدينة الرياض.