[email protected]
أكاد أزعم متيقنًا أن صداقة الأمس مختلفة عن صداقة اليوم، ويعجز المرء في هذا الزمان عن أن يعثر على الصديق الصدوق، وأكاد أشبّهه بإبرة دقيقة في كومةٍ من القش، هذا إن تمكّن من العثور عليها، وأنا منغمس إلى ذقني في الوقت الحاضر بإعادة قراءة تراثنا العربي الجميل، فها هو ابن حزم الأندلسي في كتابه النفيس «طوق الحمامة» يضع شروطه التي قد تتوافر في صديق زمانه بسهولة ويُسر، فهو يقول: «ومن الأسباب المتمناة في الحب أن يهب الله عز وجل للإنسان صديقًا مخلصًا، لطيف القول، بسيط الطول، حسن المأخذ، دقيق المنفذ، متمكن البيان، مرهف اللسان، جليل الحلم، واسع العلم، قليل المخالفة، عظيم المساعفة، شديد الاحتمال، صابرًا على الإدلال، جمّ الموافقة، جميل المخالقة، مستوي المطابقة، محمود الخلائق، مكفوف البرائق، محتوم المساعدة».
ويستطرد ابن حزم في طرح ما يجب أن يتحلى به صديق زمانه فيقول: «كارهًا للمباعدة، نبيل المداخل، مصروف الغوائل، غامض المعاني، عارفًا بالأماني، طيّب الأخلاق، سري الأعراق، مكتوم السر، كثير البر، صحيح الأمانة، مأمون الخيانة، كريم النفس، صحيح الحدس، مضمون العون، كامل الصون، مشهور الوفاء، ظاهر الغناء، ثابت القريحة، مبذول النصيحة، مستيقن الوداد، سهل الانقياد، حسن الاعتقاد، صادق اللهجة، خفيف المهجة، عفيف الطباع، رحب الذراع، واسع الصدر، متخلقًا بالصبر، يألف الإمحاض، ولا يعرف الإعراض».. رحمك الله يا ابن حزم رحمة واسعة، فتلك الصفات التي اشترطتها في «طوق حمامتك» للصداقة الحقة التي قد تجدها في زمانك بسهولة ويُسر، تكاد تغيب تمامًا في هذا الزمان العجيب القائم على تغليب المصالح الذاتية والأنانية المفرطة، والابتعاد عن أساليب التضحية كابتعاد الأرض عن جو السماء.
[email protected]
[email protected]

