ما بين يفترض، ويتوجب يبقى الحال كما هو عليه تدفق إجباري في كثير من الأقوال وتوقف خياري في الأفعال.. لا يكفي الوعظ، والنصح، والتنطع المعياري فذلك كله ترديد لأناشيد مستهلكة، وتدوير لأسطوانة مخدوشة..
منابر إعلامية رياضية متنوعة تتشكل من خلال أجندات وغايات وثقافة القائم بها، فيختزل محتوى برنامج في أفكار، وأطروحات مقدم ولغته فيكون هو المنبر، وتختصر حقائق في واقع على أوراق المعدين، وتجتمع مناديب الأندية حولها.
تعرف تماما أن ذاك الإعلامي الرياضي القادم لمنبر ما ستجده محملا ليس بالمحتوى والموضوعية والرؤية طبعا بل محمل بأولوياته التي يكسب بها ويربح شيئا ما هناك.. وتعلم بعدها أن بعض المنابر.. ولفيفا من الضيوف لم يدخلوا في قاعدة «من يدفع للزمار يختار اللحن».. سيطربون بقاعدة «اللي تكسب به إلعب به».
لنتساءل هل يعرف الجمهور المستهدف لكل منبر رياضي نتابعه ستجد أن الإجابة «لا» لأنه تبنت قواعد الإثارة، الإلهاء.. هل سنجد منبرا يتفق عليه لنقل جل المتابعين أم انقسموا؟ صحيح لقد تم تصنيف البرامج بحسب أجندتها فكان كل جمهور يلاحق رغباته في المنابر الرياضية المختلفة التي ترضيه، وصانعو البرامج لا يبالون إلا بما سيربحون به فهم يطبقون «لا حياد، وموضوعية» و«نعم للميل وللانتقاء، والإقصاء».
في الإعلام الرياضي الكل أصبح وأمسى له رأي، حتى مقدمو البرامج التي تغص بضيوف ستجد أن المقدم هو أكثر من يتكلم ويمرر رسائل وينتقي محتوى.. وسترى الصحفي والمراسل والسكرتير في ناد ما تحولوا بسهولة لنقاد.
ذلك المقدم يحلل، ويرد، يبدي رأيه، ويتدخل، ويوجه، ويحاسب، ويفترض، ويطالب زعمه أنه يملك الحق في كل أمر لكنه لا يقبل الإملاء والمحاسبة والتدخل في برنامجه أو محتواه.. لماذا؟ وسكت شهريار عن الكلام المباح.
الإثارة في الإعلام مطلوبة لكن الاستثارة و«تطيير المتلقي بالعجة» مرفوضة، والإثراء ضرورة لكن الثرثرة خسارة، النقد واجب لكن الانتقاص مكروه.. ما جدوى محتوى برامجي يستثير الحقد، ويجيش الميول، ويخنق التآلف؟.. ما منفعة تمرير قناعة السوء بأن الرياضة صخب واختلاف وتشابك وتماحك وتناكف وتخاصم و«طقطقة» من قال بلك ومن صدقه.. ما جدوى الأنا التي تتمثل في قناعة الملكية الخاصة لصاحب المنبر التي تجبر المتلقي على متابعة ما يقذفه برنامج ما من محتوى مائل ومزعج أو تركه لبرنامج آخر لم يعجبه.
تعلم أن عقل من يدعو لذلك محشو بالهواء والهوى.. وتفهم حجم الفراغ الذي يملأ بعض القلوب التي لا تدرك أهمية المنبر الإعلامي، وقيمة وظيفته، وحجم منفعته ومضرته.. لكن هنا حين ترسم المعايير بعيدا عن رؤوس الصاخبين سيكون الإعلام الرياضي عقلانيا مثيرا.
دهشة تدعو المتأمل أن أولئك علموا ضمنيا كيف يربحون مع ذلك الاتجاه، وذاك الطرف فتبعوا ظله.. وأدركوا أن نجاحهم لا يكون إلا تحت مظلته.. أما الجميع المسكين ذهب مع الخصوم.
ليدرك من ألقى السمع أن الضجيج والخطر ليس من خسارة فريق، أو لغط حول حكم، أو طقطقة البسطاء البريئة.. بل هو من ذلك المحتوى، وتلك الوسيلة، وذاك المنبري في برنامج أو تغريدة أو مقطع أو مسمع الذي صنع من هبات الهواء إعصارا، ومن الحبة قبة، ومن ضخم البسيط وبسط الضخم، ومن أسقط المرتفع ورفع السقوط، ومن أمات الحق، وأحيا الباطل، ومن سمح لطرف على طرف، ومن خالف ليعرف، وعرف ليخالف، ومن استقام ليميل، ومن استميل ليقيم.
ويبقى القول: أتمني أن يخف تطيير الناس بالعجة.. وينجو إعلامنا من مصائد التعصب والميل، وتعاد صياغة معايير النقد البناء، وأتأمل أن نحظى بمنابر إعلامية تواكب تطلعات الاتجاه الرياضي وأمنيات المسؤول.