للعلم فقط، وليس للزعل ولا حتى للعتب، فقد نُتف مقالي يوم الجمعة الماضية كما تنتف الدجاجة البائسة على يد جزار عتيد. ولست أحتج على ذلك، خاصة أن الصحف، أيدها الله بتوفيقه، لا وقت لديها لتلتفت لاحتجاجاتنا نحن الكتاب (الغلابة)، الذين يكتبون للعشق وليس لشيء آخر، لأنه أصلا لا يوجد شيء آخر. فأنا، على سبيل المثال، حين أكتب أغوص أكثر مما ينبغي في الانسجام اللفظي والمعنوي والروحي. أي أنني أضع روحي ورقبة مقالتي إن شئتم هناك، ولذلك تجدني على الدوام مستعدا للنتف، غير يائس ولا عابس في وجوه (النتافين).
ولكي يرضى عني الرقيب الحبيب، كما سماه عبدالعزيز السويد، فإنني حين حدث ذلك النتف المشهود بحثت عن رأسه لأقبله جراء ما فعل، وليعلم أنني من المؤيدين ليده الرقيقة ورأسه الغليظة فيرضى عني ويترك للناس، مما أكتبه، شيئا يقرأ. ثم إنني، وقد اشتغلت رقيبا صحفيا في يوم من الأيام فقد قَعّدت لعملية النتف والتنتيف بحيث تبدو المقالة أمام القارئ في نهاية الأمر وكأنها لم تمر بسكين لحمة ولا حتى بسكين خضار.
كنت أُنعم المقالة التي أنتفها من عنوانها إلى خاتمتها، ولا أترك، مستعملا لذلك حرفية تحريرية مقبولة، أي مجال للشك بأن هذه المقالة مرت على (المقصلة). وأحيانا كان بعض الكتاب الذين أُنتفهم يتصلون بي ويشكرونني لتجنيبهم الموبقات، وأكثر من ذلك يشكرونني لجعل مقالاتهم، لغة وتحريرا، أفضل مما كانت عليه قبل التنتيف.
وإذا أردتم أن تستفيدوا من خبرتي الرقابية، فإليكم معشر الرقباء القواعد الذهبية التالية، التي ستسهل عليكم مهماتكم:
أولا- إذا جلست كرقيب تراجع مقالة لتجيزها تَنشق وردة بيضاء ليصفوا أمامك لون الورقة وتحسن النية بكاتبها، فإن وجدته، بالمجمل، مسيئا لا يحمل أدلة على ما يقول ولا يضع حلولا لما يطرح فاشطبه دون أن يرف لك جفن. وإذا وجدته محسنا يتبنى المشكلات التي يطرحها بأدلتها ويضع حلولا لها فلا تتصيد عليه المزالق، لأنك في هذه الحالة ستقع في مطب الريبة.
ثانيا- لا تضع قواميس قطعية لمراجعة الألفاظ على حساب معانيها وسياقاتها. مثلا إذا كنت ستشطب دون تفكير كل اشتقاقات كلمة (طائف)، فستشطب من جملة: (التفكير الطائفي) كلمة الطائفي، لكنه سيستحيل عليك أن تشطبها من (العنب الطائفي)، وهكذا إذا قررت أن كل طاء وهمزة وألف هي ممسوحة لا ريب فسوف تنسب عنب الطائف إلى القصيم، وفي ذلك غبن للعنب الطائفي الشهير.
ثالثا- إذا قطع قلمك الأحمر رأس جملة أو مؤخرتها فلا تتركها معلقة من أسفل أو أعلى دون أن تربطها ربطا بينا بما قبلها أو بعدها، فالكاتب الذي ينحت جمله لتأتي عذبة متسقة مع باقي جمل المقالة تزعجه الجمل المبتورة التي تبدو بلا ذائقة، فينفر منه القارئ ويتهمه بما ليس فيه.
رابعا وأخيرا- إذا لم تعجبك هذه المقالة فلا تنشرها وستبقى الرقيب الحبيب، الذي نحتفظ له بذكريات حلوة، أعلاها قلمه الأحمر وأدناها شطب فقرة كاملة من مقالة من فقرتين.
وفقنا الله.
[email protected]