وأبان الشيخ بن حميد أن من تلك الوقفات أن للمال سلطان على النفوس - إن لم يتداركها الله برحمته - ، سلطان يسوقها في دروب التيه ، والبعد عن الله ، وإذا لم تفطن هذه النفوس لما هي فيه ، وماهي مقدمة عليه ، وتراجع نفسها ، وتراجع أمر الله ، فإنها ستهلك إما إفراطا أو تفريطا.
ولفت إلى أنه في هذا المسلك القاروني، وأمام فتنة المال ، والثروات ، والمرابحات ، والأرباح ، والاستثمار ثمت طائفتان طائفة وقفت وقفة المأخوذ المبهور المتهافت ، ضعاف النفوس ، قصيرو النظر مما يجسد الطبائع البشرية على اختلاف فهومها وتطلعاتها ، وأمانيها ورغباتها ، وموقفها من النعم، والطائفة الثانية أهل العلم ، والإيمان ، والحكمة ، استعلت بإيمانها ، وعلقت رجاءها بربها ، وأيقنت حسن ثوابه ، وعرفت قيمة الإيمان ، وهي درجة رفيعة لا يلقاها إلا الصابرون على دواعي المشتهيات ، والرغبات ، والإغراءات .
ولفت إمام وخطيب المسجد الحرام إلى أنه من فضل الله على الأمة أن يوجد فيها علماء ناصحون، وإلى الخير والحق يرشدون ، أهل العلم لا يجرفهم مثل هذا الطوفان ، فهم أشداء بإيمانهم ، أقوياء بيقينهم ، عالمون بحقيقة الدنيا ، ووظيفة المال ، وثواب الآخرة ، فلا يغريهم رنين الدرهم والدينار ، ولا بريق الذهب والفضة ، هم أهل العلم بالله ، وبسنن الله ، وبما وعد الله .
وقال: إن من تلك الوقفات عمارة الدنيا بالدين ، فيعيش المرء عيشة متوازنة ، فلا نصيبه من دنياه ضائع ، ولا عرض الدنيا عن دينه شاغل ، والسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة فلا رهبانية تفوت بها مصالح الدنيا ،ولا مادية تجنح بالإنسان، فلا يرجو موتا ولا حياة ولا نشورا، ومن حكم لقمان : " لا تدخل الدنيا دخولا يضر بآخرتك ، ولا تتركها تركا تكون فيه كلاً على الناس " .
وأضاف يقول: أحسن كما أحسن الله إليك " إنه الإحسان إلى الخلق ، والمال هبة الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله ، إنه إحسان الشكر ، وإحسان الإنفاق ، وإحسان التعامل،إحسان إلى الأهل ، والخدم ، والدواب ، وإحسان إلى المحتاجين وإحسان بالقول ، وبالفعل ، وبالجاه ، وحسن اللقاء ، وطلاقة الوجه ، وحسن السمعة ، وكل وجوه الإحسان المادية ، والأدبية ، والخلقية.
وشدد الشيخ بن حميد على أن المال إذا لم يحسن توظيفه فهو وسيلة من أعظم وسائل الفساد والإفساد ، من الكسب الحرام ، وأكل الحرام ، والبغي ، والظلم ، وبخس الناس ، وغمط الحق، وفي الحديث : " ماذئبان جائعان أرسلا في غنم ، بأفسد لهما من حرص المرء على المال ، والشرف لدينه "، وتدين الغني كما يكون بالإنفاق يكون بالإمساك عن توظيف المال في مشاريع الإفساد في الاقتصاد والأخلاق .
وبين أن من الوقفات في قصة قارون الغرور والغفلة فالمتكبر ، والغافل، يعزو كل عمل إلى جهده ، وعقله ، وعلمه ، وذكائه ، ومؤهلاته ، وكده.
وقال إذا خص الله عبده بخصيصه ، أو مرتبة ، أو منزلة ، فلا ينسبها إلى حوله وقوته ، وعلمه وخبرته ، أو كسبه وجهده ، بل عليه أن يسندها إلى فضل الله ومنته عليه ، ولطف الله ورحمته فصورة البطر ، والزهو ، وتكامل الزينة الجاذبة للنفوس الضعيفة ، زينة باهرة : في ملابسه ، ومراكبه ، وخدمه ، وحشمه ، وأبهته ، بهرت بها العيون ، وطاشت عندها العقول فهي الفتنة تتحرك مع هذه المواكب ، وتحركت معها أهواء النفوس وشهواتها ، وهكذا تعظم الدنيا في أعين طلابها ، وإن فاتهم شيء منها تقطعت قلوبهم حسرة وأسى.
واستطرد قائلاً: عجيب أن تبتلى بعض النفوس ذات الثراء واليسار بفتنة عرض ثرواتها أمام الناس ، واستعراض ثرواتها أمام المستضعفين ، يعبرون بمراكبهم الوثيرة ، وملابسهم الزاهية أمام حفاة الأقدام ، ومرقعي الملابس ليتصاعد غبار مراكبهم منتثراً في وجوه الضعاف والمساكين ، مع غرق هؤلاء المتكبرين المتغطرسين في النشوة والسكرة .
وأردف: ولكن تأبى سنن الله في ابتلائه لعباده إلا أن يكون هذا الدرس؛ انظروا هذا الهوان - لا اله الا الله - ما أشد نقمة الله ، وما أحقر المكذبين وما أضعفهم، فحينما نزل - سخط الله - صمت ضجيج الطغيان ، وخمدت أنفاسه ، وساحت شخوصه انشقت الأرض فابتلعت قارون وكنوزه ، وداره ، وخزائنه ، ومفاتحه ، ولم ينصره جمعه ، ولا المنتفعون، وهكذا تطوى صفحة هذا الضلال المتحرك ، وتذهب معالمه من غير نصير ، ولا ظهير ، وبئس المصير.
وأشار الشيخ صالح بن حميد إلى أن الأغنياء في كل زمان ومكان يعيشون بواحد من قلبين ، إما قلب قارون في طغيانه ، وبطره ، وغفلته ، يمارس الظلم والمعاصي ، وإما بقلب سليمان عليه السلام وقلب ذي القرنين، إيمان ، وإقرار بفضل الله ومنته ، وصرف له في طاعته.