تقع شرق المدينة المنورة، وارتبطت بعصر النبي وعصر الخلفاء الراشدين والفترة الأموية حتى منتصف الخلافة العباسية، ولم تكن الربذة مجهولة الاسم والموقع في العصر الجاهلي، فقد قال عنها بعض الجغرافيين الأوائل إنها من القرى القديمة في الجاهلية، ولا يُذكر اسم الربذة إلا ويُذكر معها الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري الذي اختارها للسكنى في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان «رضي الله عنه» سنة 30هـ، وعندما قدِم إليها بنى فيها سكنه ومسجده، وتوفي ودفن بها سنة 32هـ.
» كشوفات أثرية
وقالت أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، د. حصة الشمري: ظلت الربذة على مدى قرون وحتى عهد قريب، معروفة اسمًا ومجهولة موضعًا، حتى بدأت أعمال البحث والتنقيب والكشف عن الحضارة المندثرة لهذه المدينة من جهة، ومن جهة أخرى تدريب طلاب قسم الآثار والمتاحف على أعمال التنقيب تحت إشراف أساتذة مختصين وفي مقدمتهم د. سعد الراشد، الذي ذكر أن الموسم الأول للحفريات الأثرية بدأ في عام 1399هـ، فجاءت نتائج الكشوفات الأثرية في الربذة مهمة للغاية، وأمدتنا الحفائر الأثرية وعلى مدى خمسة وعشرين موسمًا بمعلومات وفيرة عن أسلوب تخطيطها، والعناصر المعمارية فيها، واللقى الأثرية للأواني الفخارية والخزفية والحجرية والمعدنية والمسكوكات، والكتابات والحلي وأدوات الزينة وغير ذلك من الآثار.
» قصور ومنازل
وتمثلت أبرز الاكتشافات المعمارية والمرافق الأثرية في مدينة الربذة التاريخية في القصور والمنازل، التي تميّزت بأسلوب معماري ونسيج هندسي مميّز، فهي رباعية التخطيط، ومتعامدة مع القبلة، وبُنيت أساسات الجدران فيها بحجارة غير منحوتة وغير متساوية الأحجام، إضافة إلى الكشف عن مسجدين يعتبران من أبرز الحفائر الأثرية هما: المسجد الجامع الذي كشف عنه في الجهة الغربية من الربذة، وهو مسجد أبي ذر الغفاري الذي اختطه بنفسه عندما قدِم للربذة.
ويتميّز المسجد بتخطيط معماري متطور، ويتكوّن من رواقين أماميين يتقدمهما محراب مجوف، وله ثلاثة أروقة، ومسجد المنطقة السكنية ويختلف في تخطيطه عن المسجد الجامع، وله محراب مجوّف مربع الشكل، ويتميّز رغم صغر مساحته بسماكة جدرانه.
» منشآت مائية
واعتمدت الربذة على مياه الأمطار السيول، واستفاد السكان من البركتين المجاورتين لها، وهما من برك طريق الحج «درب زبيدة»، وأبرز ما تتميّز به المدينة هو تصميم مستودعات لحفظ المياه «خزانات» بنيت تحت مستوى أرضيات الغرف والساحات الداخلية والممرات وفي كل الوحدات السكنية، وبنيت الخزانات بطريقة هندسية بديعة، وغطيت بطبقة جصية قوية وسقفت الخزانات بجنادل حجرية مستطيلة ومحكمة الإغلاق.
وأوضحت «الشمري» أن الاكتشافات واللقى الأثرية تعددت خلال أعمال التنقيب في المنطقة المحيطة بالربذة، وتُعد الكتابات والنقوش الصخرية على المرتفعات والنتوءات الصخرية من الدلائل الأثرية المهمة على الاستقرار السكاني بالمدينة أو القادمين إليها، أما المعثورات التي تم اكتشافها خلال أعمال التنقيب فهي كثيرة ومتنوعة، ومنها المسكوكات، والأواني الفخارية والخزفية، والصناعات المعدنية، والأدوات الخشبية، والزجاج، والحلي وأدوات الزينة، والأدوات والأواني الحجرية.
» ثلاثة قرون
وتُعدّ الاكتشافات دلالة واضحة على الفترة الزمنية التي شهدتها الربذة خلال ثلاثة قرون وأكثر من تاريخها، ومنها ما هو مصنوع محليًا في المدينة ذاتها، كما أعطت العملات النقدية دلالة واضحة على ثرائها الاقتصادي.