وأشار إلى أن هذه أحوالُ من اصطفاهم الله لوحيه، واجتباهم لرسالاته، هُمْ أشدُّ النَّاسِ له خشيةً ورهبةً، وأرغبُ النَّاسِ في مغفرته ورحمته، وأسرعُهم إلى الإنابة والتَّوبة إليه، وبِقَدْرِ معرفةِ العبد لربِّه يكونُ خوفُه منه، وتعظيمُه له، مبينا أن منزِلةَ التَّوبةِ هي أولى المنازلِ وأوسطُها وآخرُها، فلا يُفارِقُها العبدُ السَّالكُ إلى اللهِ، ولا يَزالُ فيها إلى المماتِ؛ فالتَّوبةُ هي بداية العَبْدِ ونهايتُه، وحاجتُه إليها ضرورية في النِّهايةِ، كحاجتِه إليها في البداية.
وقال إن عُبُوديَّة التَّوبةِ من أَحَبِّ العُبُوديَّاتِ إلى اللهِ تعالى وأكرمها عليه؛ فإنَّه سبحانه يحبُّ التوَّابين، ولو لم تكن التَّوبةُ أحبَّ الأشياءِ إليه؛ لما ابتلى بالذَّنب أكرمَ الخلقِ عليه؛ ولهذا يَفْرَحُ سبحانه بتوبةِ عبدِهِ حينَ يَتوبُ أعظمَ فَرَحٍ يُقدَّر.
وأضاف، إنَّ لهذا الفرح تأثيرًا عظيمًا في حال التَّائب وقلبِه، وهو من أسرار تقدير الله الذنوب على العباد، فالعبدُ ينال بالتَّوبة درجة المحبوبيَّة، فيصيرُ حبيبًا لله؛ فإنَّ اللهَ يُحبُّ التَّوَّابين ويحبُّ العبدَ الـمُفَتَّنَ التَّوَّاب؛ لما في عبوديته من الذُّلِّ والانكسارِ والخضوعِ لله، والتذلُّلِ له، والذُّلُّ والانكسارُ روحُ العبودية ومُخُّها ولُبُّها، واللهُ سبحانه أقربُ ما يكون إلى عبده عند ذُلِّه وانْكسارِ قلبِهِ، والقَصْدُ: أنَّ شَمْعةَ الخير والفضلِ والعطايا إنَّما تَنْزِل في شَمْعَدَانِ الانكسارِ، وللعاصي التَّائبِ من ذلك نصيبٌ وافر.
