مع ذلك ما زلنا نجد في عناوين أجهزة الإعلام، عبارات المبالغة الطنانة التي توحي لنا بالتفضيل عما سواها عند المقارنة بما يشاكلها ويشترك معها في توفير المنفعة، وكأننا نخدع أنفسنا قبل أن نخدع الآخرين، عندما لا ننظر إلى ما يجعل بوصلة التفكير السليم تتذبذب، وهذا حتما ليس في صالح من نريد المبالغة في إبرازه، والمبالغة هي التي تصيب الوقع بالحوار، عندما تغري أو تمهد للتفضيل وبالتالي الوقوع في شرك الابتعاد عن الواقع، وفي هذا جناية على صيغة التفضيل بالمقياس العلمي، بسبب اعتمادها على المقياس العاطفي الذي لم يكن عادلا في يوم من الأيام، لأن العاطفة متقلبة، والتفضيل لا بد أن يكون ثابتا وفق شروطه الموضوعية.
ثم إن المبالغة قد تخفي عنا عيوبا لا نراها، ولكن غيرنا يراها، ونصاب بالدهشة إن لم أقل بالصدمة عندما يقوم ذلك الآخر بمباغتتنا بها، وربما ننكرها إمعانا في المبالغة، وإصرارا على التفضيل، وهو النتيجة التي نقع في حبائلها بسبب الإصرار على رفض القبول بالواقع، ولسان حالنا يقول:
(ونحن أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبرُ)
وذلك لأننا نعيش في وهم من يقول إننا:
(أعز بني الدنيا وأعلا ذوي العلا وأكرم من فوق التراب ولا فخرُ)
هذا أمر حاول إثباته أبو فراس الحمداني قبل ما يزيد على ألف عام، وقد يكون مناسبا لعصره، لكنه حتما غير مناسب لعصرنا، إن أردنا أن نكون واقعيين، مع أن الواقع مؤلم، وشديد القسوة، في وجوه عدة.
وننسى أننا حتى «الخيرية» ذاتها التي كرمنا بها الخالق مرتبطة بشروط، وبقدر ابتعادنا عن هذه الشروط، تبتعد عنا تلك «الخيرية»، وهو الأمر الذي نقاوم الاعتراف به رغم وضوحه وواقعيته.
لكي نبتعد عن صيغ التفضيل غير الواقعية، لا بد أن نبتعد عن المبالغة الممجوجة التي لا تصدق.



