في الساعة الأخيرة من نهار الصوم، يختزل النهار كاملا. كأن الصائم الذي تحمل مشقة الساعات الطويلة ليس لديه صبر قليل على آخر ساعات الجوع والعطش. هذا ما تسجله شوارعنا في أوقات يفترض ألا تكون عصيبة، لكنها عصيبة.
مثلما طار النهار بالصبر والانتظار، فإن ما تبقى منه سوف يطير بالانتظار أيضا. ذروة النهايات عصيبة في طبيعتها. الطفل يبقى تسعة أشهر في رحم أمه، لكن ساعة ولادته هي ذروة نهاية الحمل، ذروة لحظة الانتقال من حياة الرحم إلى حياة الواقع. هذا صحيح، ولكن لا تقاس نهاية نهار الصوم به طبعا..!
ما تشهده بعض الشوارع، يكاد يخبرنا بأن كل سائق متهور هو الصائم الوحيد على ظهر الكوكب. هو الوحيد الجائع من بين مئات الملايين من الصائمين. هو الوحيد الذي لا يطيق صبرا لما تبقى من النهار الطويل..! هو الوحيد الذي يستحق أن يصل إلى منزله فورا من أجل تناول الإفطار..!
هو الوحيد الذي ربما يحق له أن يرتكب حادثا، أو يعرقل سيرا، أو يسيء سلوكا، ويفعل ما يشاء لأن معدته هي المعدة الفارغة فقط، والآخرون متخمون.
سلوكيات الساعة الأخيرة من نهار الصوم محرجة لبعض الصائمين هداهم الله وأثابهم. سيارات تتخطف الطريق بلا هوادة، ولا انتباه.
الطعام لن يطير أيها الصائمون. ولكن قد تطير حياة إنسان. وهذا ما شاهده كثير منا في بعض نهارات الشهر الكريم. «رب عجلة تهبُ ريثا» كما في المثل. عجلة الساعة الأخيرة.. قد تعجل بالساعة الأخيرة.