ثاني المفارقات في النتيجة التي مفادها أن 68% من الأبناء المعنفين لفظيا من أسر متوسطة الحال ماديا، حيث يفترض أن الستر ويسر الحال يصبحان حائلا لأي تلفظ أو سلوكيات غير تربوية، فيما أظهرت النتائج السلبية أن 60% من الأبناء المعنفين لفظيا من آباء جامعيين أو حاصلين على شهادات دراسات عليا، و70% من الأبناء المعنفين لفظيا من أمهات جامعيات أو حاصلات على شهادات دراسات عليا، فإذا كان «المتعلمون» يمنحوننا حصيلة مأساوية كهذه، فماذا يفعل غيرهم؟!
ولنا أن نتخيل أن 53% من الأبناء المعنفين لفظيا أعمارهم من 5 إلى أقل من 15 سنة، وعمر الخامسة هو عمر الإدراك فيما الخامسة عشرة هو عمر البلوغ، وفي الحالين يحدث تدمير ممنهج للشخصية، تأتي حصيلته بحسب الدراسة في أن 69% من الأبناء الذين تعرضوا للعنف اللفظي يصبحون عنيدين، فيما 63% يصابون بالجبن والخوف، و61% بعقدة النقص والعزلة، وأيضا 61% يصابون بانخفاض روح المبادرة والإبداع إلى جانب التردد والقلق، و59% بعدم القدرة على التعبير، و57% بعدم الإحساس بالأمان، و56% بالهروب الذهني، و54% بانخفاض الثقة بالنفس والإحجام عن التعلم واكتساب المهارات، و52% يصابون بضعف الشخصية أو تدني مستوى احترام الذات.
هذا في الواقع يتطلب مراجعات سريعة ومباشرة، ومن الجيد أن بادرت الجمعية لإجراء هذه الدراسة، غير أن التعامل مع النتائج مسألة أكبر من أن تستمر فيها الجمعية لوحدها، فهي دقت ناقوس الخطر، وقامت بواجبها على الوجه الأكمل، أما التالي فذلك يبدأ من وزارة التنمية الاجتماعية وجميع الجهات ذات الصلة بالأسرة وتنشئة الفرد؛ لأن هناك أجيالا تتعرض لحريق صامت يجعلهم ضحايا مستمرين، وخسارة للمجتمع والوطن.
كيف لنا أن نتصور أن نسبة كبيرة من الآباء والأمهات الجامعيين والحاصلين على شهادات عليا بهذه السلوكيات غير التربوية؟ ولماذا نحصل كمجتمع على حصيلة من أبناء مصابين بالجبن والخوف وعقدة النقص والتردد والقلق وضعف الشخصية؟ ولماذا لا تتم محاسبة من يسيئون تربويا لأبنائهم؟ فهم في الحقيقة يرتكبون جريمة عظيمة بحق أبرياء ضمن مسؤولياتهم، وهم رصيد لمجتمعنا ووطننا، وما يحدث لهم بهذه الطريقة هو تدمير لمواردنا البشرية، لذلك لا بد من معالجات سريعة تضع دراسة جمعية المودة في إطار علمي وعملي فاعل يعمل على إيقاف هذا الهدر الحقوقي والإنساني والمجتمعي والوطني الذي يضحي بأجيال، لا لسبب إلا أن هناك أولياء أمور يفتقدون الحكمة والذكاء والرعاية الحقيقية لصغارهم.



