الأمر الثاني تقوية مؤسسات الدولة وخاصة المؤسسات الأمنية، فعدم قدرة دول ما يسمى بالربيع على فرض سلطتها بالقوة، رسخ بالتالي الترهل في مؤسساتها السياسية والأمنية؛ مما أدى إلى انعدام الثقة بالدولة وسلطاتها، وبالتالي نشأت ولاءات دون الدولة ولاءات إما قبلية أو طائفية؛ لأن الفرد أحس أن الدولة لا تستطيع توفير الأمن له فلجأ إلى القبيلة أو الطائفة. هذا الانتماء إلى هويات (ما دون الدولة) أدى إلى إضعاف وتفكك الدولة، وبالتالي تدعيم مؤسسات الدولة، وترسيخ مبدأ المواطنة هو المفتاح الثاني في مواجهة دعوات الطائفية والتطرف.
الأمر الثالث أن الاستقرار السياسي وتقوية مؤسسات الدولة سوف يوقف الشرعية والمبرر للتدخل الخارجي والتنافس الإقليمي وإرسال الأسلحة والأموال والدعم اللوجيستي للجماعات التي تخدم مصالحها. فسوريا خير مثال على تحولها إلى مسرح للتنافسين الإقليمي والدولي لتحقيق وحماية مصالحه. وأيضا رأينا كيف دعمت إيران الحوثيين في اليمن.
وقلت في مقال سابق «أوروبا الجديدة: ملامح شرق أوسطية»: إن فشل المشروع التركي القائم على دعم حركات الإسلام السياسي والمشروع الإيراني القائم على دعم الطائفية والإرهاب في المنطقة كان لصالح المشروع السعودي والجماعي الخليجي القائم على تعزيز الاستقرار والتنمية الاقتصادية والتقدم. ورأينا بدايات المشروع السعودي سواء في دعم الاستقرار في مصر ثم الدخول في مشاريع تنموية كبيرة، أبرزها جسر الملك سلمان الذي سوف يرفع التبادل التجاري بين البلدين، أو مشروع نيوم الذي يجسد طموحات المنطقة ويشمل كلا من مصر والأردن، أو المشاريع التنموية بين السعودية والعراق، أو دعم الاستقرار بين إثيوبيا وإرتيريا أو في باكستان والدخول في مشاريع تنموية أو غيرها من المشاريع.
وأعتقد أن الشراكة الحقيقية بين الكتلتين الأوروبية والعربية تمكن من تحويل منطقة الشرق الأوسط من منطقة للصراعات والحروب إلى منطقة للنجاحات والفرص الاستثمارية الحقيقية، «فالمنطقة تمتلك كل الإمكانيات، نصف المخزون النفطي العالمي وقدرة كبيرة للطاقة الشمسية، وقوى بشرية شابة ما بين 15 و29 عاما تجعل المنطقة الأكثر شبابا في العالم».



