وبغض النظر عما تحمله تلك التقارير المصورة من زوايا سلبية مظلمة عن تلك الطوائف والشعوب التي لا تزال تعيش في عصور الظلام -في انغلاق نادر قل نظيره في يومنا هذا- وترفض التحضر والتطور بكافة صوره حتى الكهرباء فضلا عن متطلبات الحياة العصرية كالإنترنت والتعاملات الرقمية التي أصبحت ضرورة عندنا، كما ترفض الاختلاط بمن يخالفها أو يختلف عنها ديانة، إلا أنها استطاعت أن تحافظ على هويتها وتتمسك بموروثها الاجتماعي وقيمها الدينية والأخلاقية من خلال ممانعة عقلية ومجتمعية عالية المستوى عميقة الجذور، توارثها الأبناء عن الآباء في اعتدادٍ عزيزٍ بالهوية وبشكل لافت يثير الدهشة ويدعو للتعجب..
لقد مارست تلك المجتمعات أساليب الممانعة العقلية والمجتمعية بأعلى صورها على أفرادها، فحافظت على كيانها وقيمها المستمدة من داخل نسيجها الاجتماعي، رافضة وبشدة مواكبة المدنية عبر العصور فتحولت بهذا لصورة مضادة وأنموذج غير مقبول ومثال غير مستساغ للتطرف والغلو في الممانعة، حيث الانعزال المانع من تقبل التأثر والتأثير في الآخرين، والتي ترفضها سماحة الإسلام ورحابة تشريعاته وسمو رسالته التي تهدف إلى التغيير الإيجابي ومواكبة التطور غير المخل بآداب ومعتقدات وقيم المجتمعات.
إن أهمية الممانعة العقلية والمجتمعية تكمن في ضرورة تحقيق التوازن بشكل غير مجحف بين الرفض والقبول وبين المقاومة والاستسلام، وبين التأثر والتأثير لجميع ما يرد على المجتمعات من تيارات فكرية وقيم أخلاقية وعادات أو سلوكيات اجتماعية من الأمم والمجتمعات والحضارات الأخرى، وهذا لا يتأتى إلا بالتفاعل البناء لاستقبال سلوك أو عادة أو رؤية ثم إعادة إنتاجه/ا، مستغرقا لكامل أصول القيم الاجتماعية لا مع البعض دون الآخر. إن ممارسة فنون الممانعة العقلية والمجتمعية هي الوسيلة الأضمن والأقوى لحفظ الهيئة الاجتماعية للأمة من الاضمحلال، وسبب رئيسي للحفاظ على هوية الأمة المسلمة، وهي مسؤولية المجتمع بجميع أفراده وليس العلماء ورجال الدولة إلا أعضاء في بناء المجتمع.
وللحديث بقية.


