في منتصف الفصل وهو مواجه للطلاب ويحني أعلى جسده إلى الأمام ويداه خلف ظهره، وكأنه معطٍ الجميع كل إصغاء ويسأل هدا حفظ شو؟ فيرد الجميع بصوت تلميذ واحد طبيخ! فيردد: كلمة «شو» عددا من المرات!! فيأتي صوت الطلاب من جديد: طبيخ بعدد المرات التي كررها فيها الأستاذ. وقبل أن تبدأ حملة توزيع العصي على أيدي المقصرين يحدث أن يأتي صوت مقصر آخر باكيا متحشرجا قبل أن يزف، كما يقول الأستاذ أبو عمر.
ثاني الطبيخ تلفزيون، في حالة أخرى رأيت الطبيخ أكثر اقترانا بالسياسة في برنامج بثته لسنوات إحدى الفضائيات العربية يتصل المشاهدون لطلبات طبيخ ويشكرون الشيف على ما يقدمه، ومع أن هذا الفعل يتكرر بشكل يكاد يكون مملا، إلا أنه حقيقة ما يحدث في تلك الفضائية وحدوثه أكد لي أن هناك علاقة بين السياسة والطبيخ حيث كان ينبه على أن بعض الوصفات «صيامي» كما يقول، يعني لمن يصومون من المواطنين الأقباط. شدني أيضاً في هذا الأمر اتصالات الصغار في السن بالشيف، ويكررون كلمة احنا بنحبك يا شيف، احنا بنحب مصر. وهذا وجدت فيه مسحة من التنشئة على حب الناس، وحب الوطن، وحب أشياء أخرى.
نوع ثالث من الطبيخ والسياسية وجدته منتشراً عبر وسائط التواصل الاجتماعي وخاصة «يوتيوب» حيث يتحدث البعض بأحاديث تشبه السياسة ولكنها في الحقيقة طبيخ، وطبيخ بدون طعم أيضاً. تخيلوا رجلا يقول إنه صحفي وأنه محسوب على تيار سياسي معين، وعلى جماعة سياسية محظورة. يتنبأ بسقوط دولة لمجرد أن مواطنا سافر من بلد إلى آخر. أو أن مواطنا من رعايا تلك الدولة قرر تغيير مقر إقامته من لندن إلى الرياض أو جدة مثلاً.
الإعلام السريع وقلة المصداقية وغياب المهنية، وهذه الوسائط الانتقالية العابرة لكل شيء خلطت الحابل بالنابل، ولم يعد أكثر الناس يميز بين السياسة وبين الطبيخ والله المستعان.



