إن بلادنا المملكة العربية السعودية مستهدفةٌ في دينها وأمنها واقتصادها ووحدتها وأخلاقها، ولن ينسى الجميع تلك الكلمات الصادقة من رجل الأمن الراحل صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز - رحمه الله -: حيث قال (أقولها بكل وضوح وصراحة، دافعوا عن دينكم قبل كل شيء، دافعوا عن وطنكم، دافعوا عن أبنائكم، ودافعوا عن الأجيال القادمة).
أيها العقلاء حدثونا عن جانبين مشرقين مهمين، الأول: عن بلد ذي سيادة جعل تطبيق الشريعة هو منهج حياته ومعين أنظمته.
والثاني: عن بلد ذي مكانة ساهم في استقرار وأمن العالمين العربي والإسلامي ومكافحة التطرف بجهوده وأفعاله لا أقواله.
لن تجدوا غير بلادنا المملكة العربية السعودية جعلها الله شامخة بأمنها وإيمانها ورخائها واستقرارها، وأدام الله على ربوع الوطن النعم الوافرة والمكتسبات الزاخرة وأعاننا على شكرها مع القيام بحقها.
إن على الدعاة وطلاب العلم والمثقفين والإعلاميين واجبا عظيما في حماية بيضة الإسلام لحماية التوحيد وصيانة الأخلاق ورعاية الجماعة.
إن تزعزع الأمن واضطرابه بالإضافة إلى تزعزع ثقة الناس بإمامهم يؤديان إلى مفاسد وعواقب وخيمة لا تُحمد عقباها. فإن شريعتنا السمحة لا تُعظّم حق إمام المسلمين لذاته أو نسبه أو أسرته ونحوه، وإنما تعظيم حقه لما سيترتب عليه من صلاح العباد والبلاد وقيام أمورهم ومعاشهم وانتظام شؤون حياتهم مع رعاية ضرورياتهم الخمس.
لذا فإن جمع الكلمة مع الاجتماع والائتلاف ونبذ الفرقة والاختلاف تتحقق بها المصالح والخيرات، وتعتبر مقصدا من مقاصد الشريعة الإسلامية قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) «سورة آل عمران»، وقال تعالى (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا) «سورة الأنفال».
ما أجمل فقه عمر بن الخطاب صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول - رضي الله عنه: (يا مَعْشَرَ الْعُرَيْبِ، الْأَرْضَ الْأَرْضَ، إِنَّهُ لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ، وَلَا جَمَاعَةَ إِلَّا بِإِمَارَةٍ، وَلَا إِمَارَةَ إِلَّا بِطَاعَةٍ) «أخرجه الدارمي».
ولذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض) «مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٩٠».
والواجب على أفراد المجتمع أن يقفوا صفا واحداً مع ولاة أمرهم من الأمراء والعلماء في الرخاء والضراء في العسر واليسر والمنشط والمكره، وبحمد الله فإن أبواب المسؤولين مفتوحة في تلقي النصيحة ومعالجة القصور والخلل والتجاوزات من أجل بناء التنمية وسد النقص.
إن بلادكم بلاد التوحيد يُمارس عليها مختلف الأزمات الإعلامية والصراعات الفكرية والانتماءات الحزبية والتكتلات الدولية المعادية لها، والواجب هو الاعتصام بحبل الله المتين والالتزام بدينه القويم، والحرص على نبذ الشائعات والأراجيف، والسعي في تقوية الجبهة الداخلية من خلال اللحمة والحفاظ على وحدة الجماعة وكيان الدولة.
إن التهم الظنية الخالية من البينة والأدلة القطعية لا يُستند عليها في حق أفراد وعامة الناس، فكيف يُستساغ قبولها في حق الأمراء والعلماء؟ ولذا قال عليه الصلاة والسلام: (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) «أخرجه مسلم في صحيحه»، ويقول الحافظ النووي رحمه الله في شرح مسلم: (وَهَذَا الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْإِنْسَانِ فِيمَا يَدَّعِيهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ أَوْ تَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَهُ ذَلِكَ).
فنحمد الله على توفيقه لهذه البلاد المباركة في ظل القيادة الحكيمة، التي ما فتئت تواصل البذل والعطاء لخدمة المسلمين في الحج وغيره والوقوف معهم في سرائهم وضرائهم وأفراحهم وأحزانهم.
اسأل الله الكريم أن يحفظ بلادنا وقادتنا وعلماءنا ورجال أمننا وجنودنا المرابطين من كل سوء (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه) «سورة فاطر» وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
*عضو الإفتاء والمشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالمنطقة الشرقية